39.53-75
المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال الفجرة المشركين، وذكر ما يكونون عليه في الآخرة من الذل والهوان، دعا المؤمنين إلى الإنابة والتوبة قبل فوات الأوان، وختم السورة بذكر عظمة الله وجلاله يوم الحشر الأكبر، حيث يكون العدل الإلهي والقسطاس المستقيم، ويساق السعداء إلى الجنة زمرا، والأشقياء إلى النار زمرا ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا.. ﴾ الآية.
اللغة: ﴿ بغتة ﴾ فجأة ﴿ مثوى ﴾ مكان إقامة يقال: ثوى بالمكان أقام فيه ﴿ مقاليد ﴾ خزائن ومفاتيح ﴿ زمرا ﴾ جماعات جماعات جمع زمرة وهي الجماعة ﴿ خزنتها ﴾ حراسها الموكلون عليها ﴿ نتبوأ ﴾ تبوأ المكان حل ونزل فيه ﴿ حآفين ﴾ محيطين به من أطرافه وجهاته.
التفسير: ﴿ قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ أخبر يا محمد عبادي المؤمنين الذين أفرطوا في الجناية على أنفسهم بالمعاصي والآثام ﴿ لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ أي لا تيأسوا من مغفرة الله ورحمته ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعا ﴾ أي إنه تعالى يعفو عن جميع الذنوب لمن شاء، وإن كانت مثل زبد البحر ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ أي عظيم المغفرة واسع الرحمة، وظاهر الآية أنها دعوة للمؤمنين إلى عدم اليأس من رحمة الله لقوله ﴿ يعبادي ﴾ وقال ابن كثير: هي دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها مهما كثرت ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ أي ارجعوا إلى الله واستسلموا له بالطاعة والخضوع والعمل الصالح ﴿ من قبل أن يأتيكم العذاب ﴾ من قبل حلول نقمته تعالى بكم ﴿ ثم لا تنصرون ﴾ أي ثم لا تجدون من يمنعكم من عذابه ﴿ واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم ﴾ أي اتبعوا القرآن العظيم، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والزموا أحسن كتاب أنزل إليكم فيه سعادتكم وفلاحكم ﴿ من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ﴾ أي من قبل أن ينزل بكم العذاب فجأة وأنتم غافلون، لا تدرون بمجيئه لتتداركوا وتتأهبوا ﴿ أن تقول نفس ﴾ أي لئلا تقول بعض النفوس التي أسرفت في العصيان ﴿ يحسرتا على ما فرطت في جنب الله ﴾ أي يا حسرتي وندامتي على تفريطي وتقصيري في طاعة الله وفي حقه قال مجاهد: يا حسرتا على ما ضيعت من أمر الله ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ أي وإن الحال والشأن أنني كنت من المستهزئين بشريعة الله ودينه قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها ﴿ أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ " أو " للتنويع أي يقول الكافر والفاجر هذا أو هذا والمعنى لو أن الله هداني لاهتديت إلى الحق، وأطعت الله، وكنت من عباده الصالحين قال ابن كثير: يتحسر المجرم ويود لو كان من المحسنين المخلصين، المطيعين لله عز وجل ﴿ أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ أي أو تقول تلك النفس الفاجرة حين مشاهدتها العذاب لو أن لي رجعة إلى الدنيا لأعمل بطاعة الله، وأحسن سيرتي وعملي ﴿ بلى قد جآءتك آياتي ﴾ هو جواب قوله ﴿ لو أن الله هداني ﴾ والمعنى بلى قد جاءك الهدى من الله بإرساله الرسل، وإنزاله الكتب ﴿ فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ﴾ أي فكذبت بالآيات، وتكبرت عن الإيمان، وكنت من الجاحدين قال الصاوي: إن الكافر أولا يتسحر، ثم يحتج بحجج واهية، ثم يتمنى الرجوع إلى الدنيا، ولو رد لعاد إلى ضلاله كما قال تعالى
ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون
[الأنعام: 28] ﴿ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ﴾ أي ويوم القيامة ترى أيها المخاطب الذين كذبوا على الله بنسبة الشريك له والولد وجوههم سوداء مظلمة بكذبهم وافترائهم ﴿ أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ﴾ استفهام تقريري أي أليس في جهنم مقام ومأوى للمستكبرين عن الإيمان، وعن طاعة الرحمن؟ بلى إن لهم منزلا ومأوى في دار الجحيم.. ولما ذكر حال الكاذبين على الله، ذكر حال المتقين لله فقال ﴿ وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ﴾ أي وينجي الله المتقين بسبب سعادتهم وفوزهم بمطلوبهم وهو الجنة دار الأبرار ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ أي لا ينالهم هلع ولا جزع، ولا هم يحزنون في الآخرة، بل هم آمنون