تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37.62-113

المناسبة: لما ذكر تعالى ما أعده للأبرار في دار النعيم، ذكر ما أعده للأشرار في دار الجحيم، ليظهر التمييز بين الفريقين، ثم ذكر قصة " نوح " وقصة " إبراهيم " وما فيهما من العظات والعبر للمعتبرين.

اللغة: ﴿ نزلا ﴾ النزل: الضيافة والتكرمة، وأصله ما يعد للأضياف من الطعام والشراب وغيرهما ﴿ طلعها ﴾ ثمرها، سمي طلعا لطلوعه ﴿ لشوبا ﴾ خلطا ومزاجا من شاب الطعام يشوبه إذا خلطه بشيء آخر ﴿ يهرعون ﴾ يسرعون قال الفراء: الإهراع: الإسراع مع رعدة، وقال المبرد: المهرع: المستحث يقال: جاء فلان يهرعون إلى النار، إذا استحثه البرد إليها ﴿ شيعته ﴾ شيعة الرجل أعوانه وأنصاره، ومن سار على طريقته ومنهاجه ﴿ إفكا ﴾ كذبا وباطلا ﴿ سقيم ﴾ مريض وعليل ﴿ راغ ﴾ راغ إليه: أقبل عليه ومال نحوه خفية وأصله من الميل قال الشاعر:

ويريك من طرف اللسان حلاوة

ويروغ فيك كما يروغ الثعلب

﴿ يزفون ﴾ يسرعون في مشيهم ﴿ وتله ﴾ صرعه وكبه على وجهه.

التفسير: ﴿ أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ﴾ أي أنعيم الجنة خير ضيافة وعطاء أم شجرة الزقوم التي في جهنم؟ أيهما خير وأفضل؟ فالفواكه والثمار طعام أهل الجنة، وشجرة الزقوم طعام أهل النار، والغرض منه توبيخ الكفار ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ أي إنا جعلنا شجرة الزقوم فتنة وابتلاء لأهل الضلالة قال المفسرون: لما سمع الكفار ذكر شجرة الزقوم قالوا: كيف يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ وكان أبو جهل يقول لأصحابه: أتدرون ما الزقوم؟ إنه الزبد والتمر، ثم يأتيهم به ويقول: تزقموا، هذا الذي يخوفنا به محمد ﴿ إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ﴾ أي تنبت في قعر جهنم ثم هي متفرعة فيها ﴿ طلعها كأنه رءوس الشياطين ﴾ أي ثمرها وحملها كأنه رءوس الشياطين في تناهي القبح والبشاعة قال ابن كثير: وإنما شبهها برءوس الشياطين، وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين، لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر ﴿ فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ﴾ أي فإن هؤلاء الكفار لشدة جوعهم مضطرون إلى الأكل منها حتى تمتلىء منها بطونهم، فهي طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة، وفي الحديث

" لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه "

﴿ ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ﴾ أي ثم إن لهم بعدما شبعوا منها وغلبهم العطش لمزاجا من ماء حار قد انتهت حرارته يشاب به الطعام - أي يخلط - ليجمع لهم بين مرارة الزقوم، وحرارة الحميم، تغليظا لعذابهم ﴿ ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ﴾ أي ثم مصيرهم ومرجعهم إلى دركات الجحيم قال مقاتل: الحميم خارج الجحيم، فهم يوردون الحميم لشربه ثم يردون إلى الجحيم وقال أبو السعود: الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولها ﴿ إنهم ألفوا آبآءهم ضآلين ﴾ أي وجدوهم على الضلالة فاقتدوا بهم ﴿ فهم على آثارهم يهرعون ﴾ أي فهم يسرعون في اتباع خطاهم من غير دليل ولا برهان قال مجاهد: شبهه بالهرولة كمن يسرع إسراعا نحو الشيء ﴿ ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ﴾ أي ضل قبل قومك أكثر الأمم الماضية ﴿ ولقد أرسلنا فيهم منذرين ﴾ أي أرسلنا فيهم رسلا كثيرين يخوفونهم من عذاب الله ولكنهم تمادوا في الغي والضلال ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ أي فانظر يا محمد كيف كان مصير أمر هؤلاء المكذبين؟ ألم نهلكهم فنضيرهم عبرة للعباد؟ ﴿ إلا عباد الله المخلصين ﴾ أي لكن عباد الله المؤمنين الذين أخلصهم تعالى لطاعته فإنهم نجوا من العذاب.

. ثم شرع في بيان قصة نوح فقال ﴿ ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ﴾ اللام موطئة للقسم أي وبالله لقد استغاث بنا نوح لما كذبه قومه فلنعم المجيبون نحن له، وصيغة الجمع ﴿ المجيبون ﴾ للعظمة والكبرياء قال الصاوي: ذكر تعالى في هذه السورة سبع قصص: قصة نوح، وقصة إبراهيم، وقصة الذبيح إسماعيل، وقصة موسى وهارون، وقصة إلياس، وقصة لوط، وقصة يونس، وكل ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وتحذيرا لمن كفر من أمته ﴿ ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ﴾ أي ونجيناه ومن آمن معه من أهله وأتباعه - من الغرق قال المفسرون: وكانوا ثمانين ما بين رجل وامرأة ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ أي وجعلنا ذرية نوح هم الذين بقوا في الأرض بعد هلاك قومه قال ابن عباس: أهل الأرض كلهم من ذرية نوح قال في التسهيل: وذلك لأنه لما غرق الناس في الطوفان، ونجا نوح ومن كان معه في السفينة، تناسل الناس من أولاده الثلاثة " سام، وحام، ويافث " ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ أي تركنا عليه ثناء حسنا في كل أمة إلى يوم القيامة ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ أي سلام عاطر من الله تعالى والخلائق على نوح باق على الدوام بدون انقطاع ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين ﴾ أي هكذا نجزي من أحسن من العباد، نبقي له الذكر الجميل إلى آخر الدهر ﴿ إنه من عبادنا المؤمنين ﴾ أي كان مخلصا في العبودية لله، كامل الإيمان واليقين قال في حاشية البيضاوي: علل هذه التكرمة السنية بكونه من أولي الإحسان، ثم علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا، إظهارا لجلالة قدر الإيمان وأصالة أمره، وجعل الدنيا مملوءة من ذريته تبقية لذكره الجميل في ألسنة العالمين ﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ أي أغرقنا الكافرين الذين لم يؤمنوا بنوح عن آخرهم، فلم تبق منهم عين تطرف ولا ذكر ولا أثر.. ثم شرع تعالى في بيان قصة إبراهيم فقال ﴿ وإن من شيعته لإبراهيم ﴾ أي وإن من أنصار نوح واعوانه وممن كان على منهاجه وسنته إبراهيم الخليل، قال البيضاوي: وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، وكان بينهما نبيان هما " هود " و " صالح " صلوات الله عليهم أجمعين ﴿ إذ جآء ربه بقلب سليم ﴾ أي حين جاء ربه بقلب نقي طاهر، مخلص من الشك والشرك ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون ﴾ أي حين قال لأبيه آزر وقومه موبخا لهم: ما الذي تعبدونه من الأوثان والأصنام؟ وهو إنكار لهم وتوبيخ ﴿ أءفكا آلهة دون الله تريدون ﴾؟ أي أتعبدون آلهة من دون الله من أجل الإفك والكذب والزور؟ وإنما قدم المفعول لأجله ﴿ أءفكا ﴾ على المفعول به لأجل التقبيح عليهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم والأصل: أتريدون آلهة من دون الله إفكا؟ قال القرطبي: والإفك أسوأ الكذب وهو الذي لا يثبت ويضطرب ﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ استفهام توبيخ وتحذير أي أي شيء تظنون برب العالمين؟ هل تظنون أنه يترككم بلا عقاب وقد عبدتم غيره؟ قال الطبري: المعنى أي شيء تظنون أيها القوم أنه يصنع بكم إن لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ ﴿ فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم ﴾ لما وبخهم على عبادة غير الله أراد أن يريهم أن أصنامهم لا تضر ولا تنفع، وأراد أن يخلو بها حتى يكسرها، فاحتال للبقاء وعدم الخروج معهم إلى العيد، فنظر في السماء - على عادتهم حيث كانوا نجامين - وأوهمهم أن النجوم تدل على أنه سيسقم غدا فقال: إني سقيم أي سأمرض إن خرجت معكم، وهذا ليس بكذب وإنما هو من المعاريض الجائزة لمقصد شرعي كما ورد " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب " أو أراد أنه سقيم القلب من عبادتهم للأوثان ﴿ فتولوا عنه مدبرين ﴾ أي فتركوه إعراضا عنه وخرجوا إلى عيدهم ﴿ فراغ إلى آلهتهم ﴾ أي فلما ذهبوا وتركوه توجه إلى الأصنام ومال إليها في خفية قال ابن كثير: أي ذهب إليها بعد ما خرجوا في سرعة واختفاء ﴿ فقال ألا تأكلون ﴾؟ أي ألا تأكلون من هذا الطعام؟ قال ابن كثير: وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاما قربانا لتبارك لهم فيه ﴿ ما لكم لا تنطقون ﴾؟ أي ما لكم لا تجيبوني على سؤالي قال أبو حيان: وعرض الأكل عليها واستفهامها عن النطق إنما هو على سبيل الهزء، لأنها منحطة عن رتبة عابديها إذ هم يأكلون وينطقون بخلافها ﴿ فراغ عليهم ضربا باليمين ﴾ أي فأقبل على الأصنام مستخفيا يحطمها بيمينه بفأس كان معه قال البيضاوي: وتقييده باليمين للدلالة على قوته، وقوة الآلة تستدعي قوة الفعل وقال القرطبي: خص الضرب باليمين لأنها أقوى والضرب بها أشد ﴿ فأقبلوا إليه يزفون ﴾ أي أقبلوا نحوه مسرعين كأن بعضهم يدفع بعضا، فلما أدركوه قالوا: ويحك نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم موبخا ﴿ قال أتعبدون ما تنحتون ﴾؟ أي أتعبدون أصناما نحتموها بأيديكم، وصنعتموها بأنفسكم؟ ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ أي والله جل وعلا خلقكم وخلق عملكم، وكل الأشياء مخلوقة له، فكيف تعبدون المخلوق وتتركون الخالق، أليس لكم عقل أيها الناس؟ قال ابن جزي: ذهب بعض المفسرين إلى أن ﴿ ما ﴾ مصدرية والمعنى: الله خلقكم وأعمالكم، وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد، وذهب بعضهم إلى أن ﴿ ما ﴾ موصولة بمعنى الذي والمعنى: خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، وهذا أليق بسياق الكلام، وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٧٣