تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ﴾ أي ابنوا له مكانا وأضرموه نارا ثم ألقوه في تلك النار المتأججة المستعرة قال المفسرون: لما غلبهم إبراهيم عليه السلام في الحجة، مالوا إلى الغلبة بقوة البطش والشدة، وتشاوروا فيما بينهم ثم قرروا أن يطرحوه في النار انتصارا لأصنامهم وآلهتهم ﴿ فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين ﴾ أي أرادوا المكر بإبراهيم واحتالوا لإهلاكه، فنجيناه من النار وجعلناها بردا وسلاما عليه، وجعلناهم الأذلين المقهورين لأنه لم ينفذ فيه مكرهم، ولا كيدهم ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ لما نجاه الله من النار، وخلصه من كيد الفجار، هجر قومه واعتزلهم والمعنى إني مهاجر من بلد قومي إلى حيث أمرني ربي قال مقاتل: هو أول من هاجر من الخلق مع سارة إلى أرض الشام ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ أي ارزقني ولدا من الصالحين يؤنسني في غربتي قال ابن كثير: يريد أولادا مطيعين يكونون عوضا عن قومه وعشيرته الذين فارقهم ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ أي فاستجبنا دعاءه وبشرناه بغلام يكون حليما في كبره قال أبو السعود: جمع الله له فيه بشارات ثلاث: بشارة أنه غلام، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليما، لأن الصغير لا يوصف بذلك، وأي حلم يعادل حلمه عليه السلام حين عرض عليه أبوه الذبح فقال ﴿ قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين ﴾!! وجمهور المفسرين على أن هذا الغلام المبشر به هو " اسماعيل " لأن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح ﴿ وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ﴾ فدل ذلك على أن الذبيح هو إسماعيل ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ أي فلما ترعرع وشب وبلغ السن الذي يمكنه أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه قال المفسرون: وهو سن الثالثة عشرة ﴿ قال يبني إني أرى في المنام أني أذبحك ﴾ أي إني أمرت في المنام أن أذبحك، قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي وتلا الآية وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى أيقاظا ورقودا، لأن الأنبياء تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم ﴿ فانظر ماذا ترى ﴾؟ أي فانظر في الأمر، ما رأيك فيه؟ قال ابن كثير: وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه.

فإن قيل: لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟ فالجواب: أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، ولكن ليعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب ﴿ قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين ﴾ أي امض لما أمرك الله به من ذبحي، فستجدني صابرا إن شاء الله، وهو جواب من أوتي الحلم والصبر وامتثال الأمر، والرضا بقضاء الله ﴿ فلما أسلما وتله للجبين ﴾ أي فلما استسلما - الأب والابن - لأمر الله، وصرعه على وجهه ليذبحه قال ابن عباس: ﴿ وتله للجبين ﴾ أكبه على وجهه ﴿ وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ ﴾ هذه جواب " لما " والواو مقحمة أي ناديناه يا إبراهيم قد نفذت ما أمرت به، وحصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح، روي أنه أمر السكين بقوته على حلقه مرارا فلم يقطع قال الصاوي: والحكمة في هذه القصة أن إبراهيم اتخذه الله تعالى خليلا، فلما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه بمحبة ولده، فأمر بذبح المحبوب لتظهر صفاء الخلة، فامتثل أمر ربه وقدم محبته على محبة ولده، قال ابن عباس: فلما عزم على ذبح ولده ورماه على شقه قال الإبن: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ثيابك لئلا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، وأحد شفرتك وأسرع بها على حلقي ليكون الموت أهون علي، وإذا أتيت أمي فاقرئها مني السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي عليها فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني، فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين ﴾ تعليل لتفريج الكربة أي كما فرجنا شدتك كذلك نجازي المحسنين بتفريج الشدة عنهم ونجعل لهم من أمرهم فرجا ومخرجا ﴿ إن هذا لهو البلاء المبين ﴾ أي إن هذا لهو الابتلاء والامتحان الشاق الواضح، الذي يتميز فيه المخلص من المنافق ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ أي وفديناه بكبش عظيم من الجنة فداء عنه قال ابن عباس: كبش عظيم قد رعى في الجنة أربعين خريفا ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ أي وأبقينا عليه ثناء حسنا إلى يوم الدين ﴿ سلام على إبراهيم ﴾ أي سلام منا على إبراهيم عاطر كريم ﴿ كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين ﴾ كرر ذكر الجزاء مبالغة في الثناء ثم علل ذلك بأنه كان من الراسخين في الإيمان مع الإيقان والاطمئنان ﴿ وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ﴾ أي وبشرناه بغلام آخر بعد تلك الحادثة هو إسحاق الذي سيكون نبيا قال ابن عباس: بشر بنبوته حين ولد، وحين نبىء، وتكاد تكون الآية صريحة في أن الذبيح هو " إسماعيل " لا " إسحاق " ﴿ وباركنا عليه وعلى إسحاق ﴾ أي أفضنا على إبراهيم وإسحاق بركات الدنيا والدين ﴿ ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ﴾ أي ومن ذريتهما محسن ومسيء قال الطبري: المحسن هو المؤمن، والظالم لنفسه هو الكافر وقال أبو حيان: وفي الآية وعيد لليهود ومن كان من ذريتهما ممن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وفيها دليل على أن البر قد يلد الفاجر ولا يلحقه من ذلك عيب ولا منقصة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٧٤