. ثم أخبر عن جزائهم فقال ﴿ أولئك لهم رزق معلوم ﴾ أي أولئك الأخيار الأبرار لهم رزقهم في الجنة صباحا ومساء كما قال تعالى
ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا
[مريم: 62] وقال أبو السعود: معلوم الخصائص من حسن المنظر، ولذة الطعم، وطيب الرائحة، ثم فسر الرزق بقوله: ﴿ فواكه وهم مكرمون ﴾ أي فواكه متنوعة من جميع ما يشتهون، وهم في الجنة معززون مكرمون، وخص الفواكه بالذكر لأن كل ما يؤكل في الجنة إنما هو على سبيل التفكه والتلذذ ﴿ في جنات النعيم ﴾ أي في رياض وبساتين يتنعمون فيها ﴿ على سرر متقابلين ﴾ أي على أسرة مكللة بالدر والياقوت، تدور بهم كيف شاءوا قال مجاهد: ﴿ متقابلين ﴾ أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض تواصلا وتحاببا ﴿ يطاف عليهم بكأس من معين ﴾ لما ذكر الطعام أعقبه بذكر الشراب أي يطوف عليهم خدم الجنة بكأس من الخمر من نهر جار خارج من عيون الجنة قال الصاوي: وصف به خمر الجنة لأنه يجري كالماء النابع وقال ابن عباس: كل كأس في القرآن فهي الخمر، والمعين هي الجارية ﴿ بيضآء لذة للشاربين ﴾ أي هذه الخمر بيضاء ذات لذة للشاربين، يلتذ بها من شربها قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن ﴿ لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ﴾ أي ليس فيها ما يغتال عقولهم فيفسدها، ولا هم يسكرون بشربها كما تفعل خمر الدنيا قال ابن كثير: نزه الله سبحانه خمر الجنة عن الآفات التي هي في خمر الدنيا، من صداع الرأس، ووجع البطن، وذهاب العقل، فخمر الجنة طعمها طيب كلونها، والمراد بالغول هنا صداع الرأس قاله ابن عباس، وقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن وتلك أجمل أوصاف الشراب، التي تحقق لذة الشراب، وتنفي أكداره وأضراره، فلا خمار يصدع الرءوس، ولا سكر ولا عربدة يذهب لذة الاستمتاع كما هي الحال في خمرة الدنيا ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ أي وعندهم الحور العين، العفيفات اللواتي قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم حياء وعفة، قال ابن عباس: ﴿ قاصرات الطرف ﴾ أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن ﴿ عين ﴾ أي وهن مع العفة واسعات جميلات العيون قال الطبري: أي نجل العيون جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العين مع الحسن والجمال، وهي أحسن ما تكون من العيون ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ أي كأنهن اللؤلؤ المكنون في أصدافه قاله ابن عباس واستشهد بقوله تعالى
وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون
[الواقعة: 22-23] وقال الحسن: ﴿ المكنون ﴾ المصون الذي لم تمسه الأيدي.. والغرض أنهن مع هذا الجمال الباهر، مصونات كالدر في أصدافه، مع رقة ولطف ونعومة ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ لا تبتذله الأيدي ولا العيون، والعرب تشبه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها قال أبو حيان: ذكر تعالى في هذه الآيات أولا الرزق وهو ما تتلذذ به الأجسام، وثانيا الإكرام وهو ما تتلذذ به النفوس، ثم ذكر المحل وهو جنات النعيم، ثم لذة التآنس والاجتماع ﴿ على سرر متقابلين ﴾ وهو أتم للسرور وآنس، ثم ذكر المشروب وهو الخمر التي تدار عليهم بالكؤوس ولا يتناولونها بأنفسهم، ثم ختم باللذة الجسدية - أبلغ الملاذ - وهي التآنس بالنساء ثم أخبر تعالى عما يتحدث به أهل الجنة للأنس والسرور، وهم على موائد الشراب يتلذذون بكل ممتع، وينعمون بتجاذب أطراف الحديث فقال ﴿ فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون ﴾ أي جلسوا يتحدثون عما جرى لهم في الدنيا، يتذاكرون نعيمهم وحال الدنيا وثمرة الإيمان ﴿ قال قآئل منهم إني كان لي قرين ﴾ أي قال قائل من أهل الجنة إني كان لي في الدنيا صديق وجليس ينكر البعث ﴿ يقول أءنك لمن المصدقين ﴾ أي يقول لي أتصدق بالبعث والجزاء؟ ﴿ أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون ﴾؟ أي هل إذا متنا وأصبحنا ذرات من التراب وعظاما نخرة، أئنا لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد ﴿ قال هل أنتم مطلعون ﴾؟ أي قال ذلك المؤمن لإخوانه في الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين؟ قال تعالى ﴿ فاطلع فرآه في سوآء الجحيم ﴾ أي فنظر فأبصر صاحبه الكافر في وسط الجحيم يتلظى سعيرها ﴿ قال تالله إن كدت لتردين ﴾ أي فخاطبه المؤمن شامتا وقال له: والله لقد قاربت أن تهلكني بإغوائك ﴿ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ﴾ أي ولولا فضل الله علي بتثبيتي على الإيمان، لكنت معك في النار محضرا ومعذبا في الجحيم، ثم يخاطبه مستهزءا ساخرا كما كان ذلك الكافر يستهزىء به في الدنيا ﴿ أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ﴾؟ أي هل لا تزال على اعتقادك بأننا لن نموت إلا موتة واحدة، وأنه لا بعث ولا جزاء ولا حساب ولا عذاب؟ وهو أسلوب ساخر لاذع يظهر فيه التشفي من ذلك القرين الكافر، والتحدث بنعمة الله عليه قال تعالى ﴿ إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾ أي إن هذا النعيم الذي ناله أهل الجنة لهو الفوز العظيم ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ أي لمثل هذا الجزاء الكريم يجب أن يعمل العاملون ويجتهد المجتهدون.