. ثم أخبر تعالى عن حسرتهم وندامتهم عند معاينتهم أهوال القيامة فقال ﴿ وقالوا يويلنا هذا يوم الدين ﴾ أي يا هلاكنا وخسارتنا هذا هو يوم الجزاء والحساب!! فتقول لهم الملائكة على سبيل التوبيخ والتقريع ﴿ هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ﴾ أي هذا يوم الفصل بين الخلائق الذي كنتم تنكرونه وتكذبون به قال البيضاوي: الفصل: القضاء والتفريق بين المحسن والمسيء ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ أي اجمعوا الظالمين وأشباههم من العصاة والمجرمين، كل إنسان مع نظرائه قال القرطبي: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، والسارق مع السارق وقال ابن عباس: اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات، وعنه المراد به أشباههم من العصاة ﴿ وما كانوا يعبدون * من دون الله ﴾ أي وما كانوا يعبدون من الأوثان والأصنام، وذلك زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ أي فعرفوهم طريق الجحيم ووجهوهم إليها، وفي لفظ ﴿ اهدوهم ﴾ تهكم وسخرية، فإذا لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم، فليهتدوا اليوم إلى صراط الجحيم ﴿ وقفوهم إنهم مسئولون ﴾ أي احبسوهم عند الصراط لأنهم سيسألون عن جميع أقوالهم وأفعالهم، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا وأنتم هنا جميعا؟ وكلكم في حاجة إلى الناصر والمعين؟ قال المفسرون: هذا إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر " نحن جميع منتصر " وأصل ﴿ تناصرون ﴾ تتناصرون حذفت إحدى التاءين تخفيفا، قال تعالى ﴿ بل هم اليوم مستسلمون ﴾ أي بل هم اليوم أذلاء منقادون، عاجزون عن الانتصار، سواء منهم العابدون والمعبودون ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون ﴾ أي أقبل الرؤساء والأتباع يتلاومون ويتخاصمون قال أبو السعود: وسؤالهم إنما هو سؤال توبيخ بطريق الخصومة والجدال ﴿ قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ أي قال الأتباع منهم للمتبوعين: إنكم كنتم تأتوننا من قبل الحق، وتزينون لنا الباطل، وتصدوننا عن اتباع طريق الهدى قال الطبري: أي كنتم تأتوننا من قبل الدين والحق، فتخدعوننا بأقوى الوجوه، قال: واليمين في كلام العرب: القوة والقدرة كقول الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجد
تلقاها عرابة باليمين
وقيل: المراد تأتوننا بطريق الوسوسة عن يميننا كما هو المعتاد في حالة الوسوسة بالأسرار غالبا ﴿ قالوا بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ أي يقول لهم الرؤساء: لم نحملكم نحن على الضلال ولم نمنعكم من الإيمان، بل كفرتم ولم تؤمنوا باختياركم قال ابن كثير: أي ليس الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان ﴿ وما كان لنا عليكم من سلطان ﴾ أي ما كان لنا عليكم من قوة وقدرة نقهركم بها على متابعتنا ﴿ بل كنتم قوما طاغين ﴾ أي بل كاف فيكم فجور وطغيان واستعداد للعصيان، فلذلك استجبتم لنا واتبعتمونا ﴿ فحق علينا قول ربنآ ﴾ أي فوجب علينا جميعا وعيد الله لنا بالعذاب ﴿ إنا لذآئقون ﴾ أي فإنا لذائقو هذا العذاب لا محالة ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوين ﴾ أي فزينا لكم الباطل، ودعوناكم إلى الغي لأننا كنا على غي وضلال، قال تعالى مخبرا عن حالهم ﴿ فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون ﴾ أي فإنهم يوم القيامة مشتركون في العذاب، كما كانوا مشتركين في الغواية، ولكن كما قال تعالى
ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون
[الزخرف: 39] ﴿ إنا كذلك نفعل بالمجرمين ﴾ أي مثل هذا الفعل بهؤلاء نفعل بالأشقياء المجرمين، ثم بين تعالى السبب فقال ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ أي إذا قيل لهم قولوا ﴿ لا إله إلا الله ﴾ يتكبرون ويتعظمون ﴿ ويقولون أءنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾؟ أي ويقولون عندما يدعون إلى التوحيد: أنترك عبادة الأوثان لقول شاعر مجنون؟ يعنون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى ردا عليهم ﴿ بل جآء بالحق وصدق المرسلين ﴾ أي ليس الأمر كما يفترون بل جاءهم محمد بالتوحيد والإسلام الذي هو الحق الأبلج، وجاء بمثل ما جاء به الرسل قبله قال أبو حيان: جمع المشركون بين إنكار الوحدانية، وإنكار الرسالة، ثم خلطوا في كلامهم بقولهم " شاعر مجنون " فإن الشاعر عنده من الفهم والحذق ما ينظم به المعاني الغريبة، ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة، ومن كان مجنونا لا يصل إلى شيء من ذلك، فكلامهم تخليط وهذيان ﴿ إنكم لذآئقو العذاب الأليم ﴾ أي إنكم أيها المجرمون لمعذبون أشد العذاب ﴿ وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ أي لا تعاقبون إلا جزاء مثل عملكم قال الصاوي: لأن الشر يكون جزاؤه بقدره، بخلاف الخير فجزاؤه بأضعاف مضاعفة.. ولما ذكر شيئا من أحوال الكفار وعذابهم، ذكر شيئا من أحوال المؤمنين ونعيمهم، على طريقة القرآن في الموازنة بين الفريقين ترغيبا وترهيبا فقال ﴿ إلا عباد الله المخلصين ﴾ الاستثناء منقطع أي لكن عباد الله المخلصين الموحدين، فإنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله عن سيئاتهم، يجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.