17.49-69
المناسبة: لما ذكر تعالى موقف المشركين من القرآن العظيم، وذكر تعاميهم عن فهم آياته البينات، أردفه بذكر شبهاتهم في إنكار البعث والنشور وكر عليها بالإبطال والتفنيد، ثم ذكر قصة آدم وإبليس للعظة والاعتبار، وأعقبها بذكر نعمه العظيمة على العباد ثم بالوعيد والتهديد إن أصروا على الكفر والجحود.
اللغة: ﴿ رفاتا ﴾ الرفات: ما تكسر وبلي من كل شيء كالفتات والحطام والرضاض ﴿ ينغضون ﴾ قال الفراء: يقال أنغض فلان رأسه إذا حركه إلى فوق وأسفل كالمتعجب من الشيء قال الراجز: " أنغض نحوي رأسه وأقنعا " ﴿ ينزغ ﴾ يفسد ويهيج الشر والنزغ: الإفساد والإغراء ﴿ لأحتنكن ﴾ الاحتناك الأخذ بالكلية والاستئصال يقال: احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله ﴿ استفزز ﴾ اخدع واستخف يقال: أفزه الخوف واستفزه إذا أزعجه واستخفه ﴿ وأجلب ﴾ أصل الإجلاب السوق بجلبة من السائق وهو الصياح، والجلب والجلبة الأصوات ﴿ ورجلك ﴾ الرجل جمع راجل وهو الذي يمشي على قدميه ﴿ يزجي ﴾ يسوق ﴿ حاصبا ﴾ الحاصب والحصباء هي الحصى الصغار ﴿ قاصفا ﴾ القاصف ما يقصف الشيء أي يكسره والريح الشديدة التي تكسر بشدة من قصف الشيء يقصفه أي كسره بشدة، ورعد قاصف شديد الصوت ﴿ تبيعا ﴾ طالبا يقال تابع وتبيع وهو النصير والمطالب.
سبب النزول: أ - عن ابن عباس
" أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له: أن شئت أن تستأني بهم لعلنا نجتبي منهم، وإن شئت نعطيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا، فقال: لا بل أستأني بهم "
فنزلت ﴿ وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون... ﴾ الآية.
ب - لما ذكر تعالى شجرة الزقوم في القرآن قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا يخوفكم بشجرة الزقوم، ألستم تعلمون أن النار تحرق الشجر؟ ومحمد يزعم أن النار تنبت الشجر، فهل تدرون ما الزقوم؟ هو التمر والزبد، يا جارية ابغينا تمرا وزبدا، فجاءته به فقال: تزقموا من هذا الذي يخوفم به محمد فأنزل الله تعالى ﴿ والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ﴾.
التفسير: ﴿ وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا ﴾ استفهام تعجب وإنكار أي قال المشركون المكذبون بالبعث أئذا أصبحنا عظاما نخرة، وذرات متفتتة كالتراب ﴿ أءنا لمبعوثون خلقا جديدا ﴾ أي هل سنبعث ونخلق خلقا جديدا بعد أن نبلى ونفنى؟ ﴿ قل كونوا حجارة أو حديدا ﴾ أي قل لهم يا محمد لو كنتم حجارة أو حديدا لقدر الله على بعثكم وإحيائكم فضلا عن أن تكونوا عظاما ورفاتا فإن الله لا يعجزه شيء، فالحجارة والحديد أبعد عن الحياة وهي أصلب الأشياء ولو كانت أجسامكم منها لأعادها الله فكيف لا يقدر على إعادتكم إذا كنتم عظاما ورفاتا؟ ﴿ أو خلقا مما يكبر في صدوركم ﴾ أي أو كونوا خلقا آخر أوغل في البعد عن الحياة من الحجارة والحديد مما يصعب في نفوسكم تصور الحياة فيه فسيبعثكم الله قال مجاهد: المعنى كونوا ما شئتم فستعادون ﴿ فسيقولون من يعيدنا ﴾؟ أي من الذي يردنا إلى الحياة بعد فنائنا ﴿ قل الذي فطركم أول مرة ﴾ أي قل لهم يعيدكم القادر العظيم الذي خلقكم وأنشأكم من العدم أول مرة ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو ﴾؟ أي يحركون رءوسهم متعجبين مستهزئين ويقولون استنكارا واستبعادا متى يكون البعث والإعادة؟ ﴿ قل عسى أن يكون قريبا ﴾ أي لعله يكون قريبا فإن كل ما هو آت قريب ﴿ يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ﴾ أي سيكون بعثكم يوم الحشر الأكبر يوم يدعوكم الرب جل وعلا للاجتماع في المحشر فتجيبون لأمره، وتظنون لهول ما ترون أنكم ما أقمتم في الدنيا إلا زمنا قليلا ﴿ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ﴾ أي قل لعبادي المؤمنين يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلمة الطيبة ويختاروا من الكلام ألطفه وأحسنه وينطقوا دائما بالحسنى ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ أي إن الشيطان يفسد ويهيج بين الناس الشر ويشعل نار الفتنة بالكلمة الخشنة يفلت بها اللسان ﴿ إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ﴾ أي ظاهر العداوة للإنسان من قديم الزمان يتلمس سقطات لسانه ليحدث العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم ﴾ أي ربكم أيها الناس أعلم بدخائل نفوسكم إن يشأ يرحمكم بالتوفيق للإيمان، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر والعصيان ﴿ ومآ أرسلناك عليهم وكيلا ﴾ أي وما جعلناك يا محمد حفيظا على أعمال الكفار كفيلا عنهم لتقسرهم على الإيمان إنما أرسلناك نذيرا فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار ﴿ وربك أعلم بمن في السموت والأرض ﴾ إنتقال من الخصوص إلى العموم أي ربك جل وعلا أعلم بعباده بأحوالهم ومقاديرهم فيخص بالنبوة من شاء من خلقه، وهو أعلم بالسعداء والأشقياء، والآية رد على المشركين حيث استبعدوا النبوة على رسول الله وقالوا: كيف يكون يتيم أبي طالب نبيا؟ وكيف يكون هؤلاء الفقراء الضعفاء أصحابه دون الأكابر والرؤساء؟ ﴿ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ﴾ أي فضلنا بعض الأنبياء على بعض حسب علمنا وحكمتنا وخصصناهم بمزايا فريدة، فاصطفينا إبراهيم بالخلة، وموسى بالتكليم، وسليمان بالملك العظيم، ومحمدا بالإسراء والمعراج وجعلناه سيد الأولين والآخرين، وكل ذلك فعل الحكيم العليم الذي لا يصدر شيء إلا عن حكمته ﴿ وآتينا داوود زبورا ﴾ أي وأنزلنا الزبور على داود المشتمل على الحكمة وفصل الخطاب ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دونه تعالى قال الحسن: يعني الملائكة وعيسى وعزيرا فقد كانوا يقولون إنهم يشفعون لنا عند الله ﴿ فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ﴾ أي فلا يستطيعون رفع البلاء عنكم ولا تحويله إلى غيركم ﴿ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ﴾ أي أولئك الآلهة الذين يدعونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون القرب إلى الله، ويتوسلون إليه بالطاعة والعبادة، فكيف تعبدونهم معه؟ ﴿ ويرجون رحمته ويخافون عذابه ﴾ أي يرجون بعبادتهم رحمته تعالى ويخافون عقابه ويتسابقون إلى رضاه ﴿ إن عذاب ربك كان محذورا ﴾ أي عذابه تعالى شديد ينبغي أن يحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا ﴾ أي ما من قرية من القرى الكافرة التي عصت أمر الله وكذبت رسله إلا وسيهلكها الله إما بالاستئصال الكلي أو بالعذاب الشديد لأهلها ﴿ كان ذلك في الكتاب مسطورا ﴾ أي كان ذلك حكما مسطرا في اللوح المحفوظ لا يتغير ﴿ وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ﴾ قال المفسرون: اقترح المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزات عظيمة منها أن يقلب لهم الصفا ذهبا، وأن يزيح عنهم الجبال فأخبره تعالى أنه إن أجابهم إلى ما طلبوا ثم لم يؤمنوا استحقوا عذاب الاستئصال، وقد اقتضت حكمته تعالى إمهالهم لأنه علم أن منهم من يؤمن وأن من أولادهم من يؤمن فلهذا السبب ما أجابهم إلى ما طلبوا أو المعنى ما منعنا من إرسال المعجزات والخوارق التي اقترحها قومك إلا تكذيب من سبقهم من الأمم حيث اقترحوا ثم كذبوا فأهلكهم الله ودمرهم ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ﴾ أي وأعطينا قوم صالح الناقة آية بينة ومعجزة ساطعة واضحة فكفروا بها وجحدوا بعد أن سألوها فأهلكهم الله ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ﴾ أي وما نرسل بالآيات الكونية كالزلازل والرعد والخسوف والكسوف إلا تخويفا للعباد من المعاصي قال قتادة: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويرجعون ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ﴾ أي واذكر يا محمد حين أخبرناك أن الله أحاط بالناس علما في الماضي والحاضر والمستقبل فهو تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوالهم وقد علم أنهم لن يؤمنوا ولو جئتهم بما طلبوا من الآيات والمعجزات ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ أي وما جعلنا الرؤية التي أريناكها عيانا ليلة المعراج من عجائب الأرض والسماء إلا امتحانا وابتلاء لأهل مكة حيث كذبوا وكفروا وارتد بعض الناس لما أخبرهم بها قال البخاري عن ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وليست برؤيا منام ﴿ والشجرة الملعونة في القرآن ﴾ أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن وهي شجرة الزقوم إلا فتنة أيضا للناس قال ابن كثير: لما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم كذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكما: هاتوا لنا تمرا وزبدا وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا ﴿ ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ﴾ أي ونخوف هؤلاء المشركين بأنواع العذاب والآيات الزاجرة فما يزيدهم تخويفنا إلا تماديا وغيا واستمرارا على الكفر والضلال، فماذا تنفع معهم الخوارق؟ ما زادتهم خارقة الإسراء والمعراج، ولا خارقة التخويف بشجرة الزقوم إلا استهزاء وإمعانا في الضلال، ثم أشار تعالى إلى أن هذا الطغيان سببه إغواء الشيطان ولهذا ذكر قصته عقب ذلك فقال ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس ﴾ أي أذكر يا محمد حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم فسجدوا كلهم إلا ابليس استكبر وأبى افتخارا على آدم واحتقارا له ﴿ قال أأسجد لمن خلقت طينا ﴾ استفهام إنكاري أي أأسجد أنا العظيم الكبير لهذا الضعيف الحقير الذي خلقته من الطين؟ كيف يصح للعالي أن يسجد للداني؟ ﴿ قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي ﴾ أي قال إبليس اللعين جراءة على الرب وكفرا به: أترى هذا المخلوق الذي فضلته علي وجعلته أكرم مني عندك؟ ﴿ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ﴾ أي لئن أنظرتني وأبقيتني حيا إلى يوم القيامة لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال قال الطبري: أقسم عدو الله فقال لربه: لئن أخرت إهلاكي إلى يوم القيامة لأستأصلنهم ولأستميلنهم وأضلنهم إلا قليلا منهم ﴿ قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا ﴾ أي قال الرب جل وعلا: إذهب فقد أنظرتك وابذل جهدك فيهم فمن أطاعك من ذرية آدم فإن جزاءك وجزاءهم نار جهنم جزاء كاملا وافرا لا ينقص لكم منه شيء قال القرطبي: والأمر في ﴿ اذهب ﴾ أمر إهانة والمعنى اجهد جهدك فقد أنظرناك ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ أي استخفف واستجهل وحرك من أردت أن تستفزه فتخدعه بدعائك إلى الفساد قال ابن عباس: صوته كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى وقال مجاهد: صوته الغناء والمزامير واللهو ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ أي صح عليهم بأعوانك وجنودك من كل راكب وراجل قال الطبري: المعنى اجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم من يصيح عليهم بالدعاء إلى طاعتك، والصرف عن طاعتي قال ابن عباس: خيله ورجله كل راكب وماش في معصية الله تعالى وقال الزمخشري: الكلام وارد مورد التمثيل، مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بفارس مغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتا يستفزهم عن أماكنهم، ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم ﴿ وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ أي اجعل لنفسك شركة في أموالهم وأولادهم، أما الأموال فبكسبها من الحرام وإنفاقها في المعاصي، وأما الأولاد فبتحسين اختلاط الرجال بالنساء حتى يكثر الفجور ويكثر أولاد الزنى ﴿ وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ أي عدهم بالوعود المغرية الخادعة والأماني الكاذبة، كالوعد بشفاعة الأصنام، والوعد بالغنى من المال الحرام، والوعد بالعفو والمغفرة وسعة رحمة الله، والوعد باللذة والسرور في ارتكاب الموبقات كقول الشاعر: