وفي كل شيء له آية
تدل على أنه واحد
﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ أي ولكن لا تفهمون تسبيح هذه الأشياء لأنها ليست بلغاتكم ﴿ إنه كان حليما غفورا ﴾ أي إنه تعالى حليم بالعباد لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، غفور لمن تاب وأناب، ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيز مقتدر ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ﴾ أي وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا يصدقون بالآخرة جعلنا بينك وبينهم حجابا خفيا يحجب عنهم فهم القرآن وإدراك أسراره وحكمه ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ﴾ أي وجعلنا على قلوب هؤلاء الكفار أغطية لئلا يفهموا القرآن ﴿ وفي آذانهم وقرا ﴾ أي صمما يمنعهم من استماعه ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ﴾ أي وإذا وحدت الله وأنت تتلو القرآن فر المشركون من ذلك هربا من استماع التوحيد ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به ﴾ أي نحن أعلم بالغاية التي يستمعون من أجلها للقرآن وهي الاستهزاء والسخرية قال المفسرون: كان المشركون يجلسون عند النبي صلى الله عليه وسلم مظهرين الاستماع وفي الواقع قاصدين الاستهزاء فنزلت الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديدا للمشركين ﴿ إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ﴾ أي حين يستمعون إلى قراءتك يا محمد ثم يتناجون ويتحدثون بينهم سرا ﴿ إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ﴾ أي حين يقول أولئك الفجرة ما تتبعون إلا رجلا سحر فجن فاختلط كلامه ﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ﴾ أي انظر يا محمد وتعجب كيف يقولون تارة عنك إنك ساحر، وتارة إنك شاعر، وتارة إنك مجنون! وقد ضلوا بهذا البهتان والزور ﴿ فلا يستطيعون سبيلا ﴾ أي لا يجدون طريقا إلى الهدى والحق المبين.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
1- الاستعارة المكنية ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ شبه الذل بطائر له جناح وحذف الطائر ورمز له بشيء من لوازمه وهو الجناح على سبيل الاستعارة المكنية.
2- الاستعارة التمثيلية ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ﴾ مثل للبخيل بالذي حبست يده عن الإعطاء وشدت إلى عنقه بحيث لا يقدر على مدها، وشبه السرف ببسط الكف بحيث لا تحفظ شيئا.
3- اللف والنشر المرتب ﴿ فتقعد ملوما محسورا ﴾ عاد لفظ ﴿ ملوما ﴾ إلى البخل ولفظ ﴿ محسورا ﴾ إلى الإسراف أي يلومك الناس إن بخلت، وتصبح مقطوعا إن أسرفت.
4- الطباق بين ﴿ يبسط... ويقدر ﴾.
5- جناس الاشتقاق ﴿ قرأت القرآن ﴾.
6- التوبيخ ﴿ أفأصفاكم ربكم بالبنين ﴾؟
7- الفرض والتقدير ﴿ لو كان معه آلهة كما يقولون ﴾.
لطيفة: نقف هنا أمام مثل من دقائق التعبير القرآني العجيبة ففي هذه السورة قدم تعالى رزق الأبناء على رزق الآباء ﴿ نحن نرزقهم وإياكم ﴾ وفي سورة الأنعام قدم رزق الآباء
نحن نرزقكم وإياهم
[الأنعام: 151] والسر في ذلك أن قتل الأولاد هنا كان خشية وقوع الفقر بسببهم فقدم تعالى رزق الأولاد، وفي الأنعام كان قتلهم بسبب فقر الآباء فعلا فقدم رزق الآباء، فلله در التنزيل ما أروع أسراره!