تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.70-89

المناسبة: لما ذكر تعالى ما امتن به على الناس من تسيير السفن في البحر، ومن تنجيتهم من الغرق، تمم ذكر المنة بما أنعم به على النوع الإنساني من تكرمتهم، ورزقهم، وتفضيلهم على سائر المخلوقات، ثم ذكر أحوال الناس ودرجاتهم في الآخرة، ثم حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من اتباع أهواء المشركين.

اللغة: ﴿ بإمامهم ﴾ الإمام في اللغة: كل من يأتم به غيره سواء كان على هدى أو ضلال ويطلق الإمام على كتاب الأعمال لأن الإنسان يكون تابعا لكتاب أعماله يقوده إلى الجنة أو النار ﴿ فتيلا ﴾ الفتيل: القشرة التي في شق النواة ويضرب مثلا للشيء الحقير التافه ومثله القطمير والنقير ﴿ تركن ﴾ تميل ﴿ ليستفزونك ﴾ الاستفزاز: الإزعاج بسبب من الأسباب للحمل على الخروج من الوطن وغيره ﴿ تحويلا ﴾ تغييرا وتبديلا ﴿ لدلوك ﴾ الدلوك: الغروب يقال دلكت الشمس أي غابت قال أبو عبيد وابن قتيبة: الدلوك الغروب وأنشد لذي الرمة:

مصابيح ليست باللواتي تقودها

نجوم ولا بالآفلات الدوالك

وقال الأزهري: أصل الدلوك الميل يقال: مالت الشمس للزوال، ومالت للغروب ﴿ غسق ﴾ غسق الليل: سواده وظلمته يقال: غسق الليل إذا اشتدت ظلمته ﴿ فتهجد ﴾ التهجد: صلاة الليل بعد الاستيقاظ من النوم، والهجود: النوم، قال الشاعر:

ألا طرقتنا والرفاق هجود

فباتت بعلات النوال تجود

﴿ زهق ﴾ زال وبطل ﴿ نأى ﴾ تباعد والنأي: البعد ﴿ ظهيرا ﴾ معينا ونصيرا.

سبب النزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح فأنزل الله ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي... ﴾ الآية.

التفسير: ﴿ ولقد كرمنا بني ءادم ﴾ أي لقد شرفنا ذرية آدم على جميع المخلوقات بالعقل، والعلم، والنطق، وتسخير جميع ما في الكون لهم ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ أي وحملناهم على ظهور الدواب والسفن ﴿ ورزقناهم من الطيبات ﴾ أي من لذيذ المطاعم والمشارب قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى وجعلنا رزق الحيوان التبن والعظام وغيرها ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ﴾ أي وفضلناهم على جميع من خلقنا من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات من الجن والبهائم والدواب والوحش والطير وغير ذلك ﴿ يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ﴾ أي اذكر يوم الحشر حين ننادي كل إنسان بكتاب عمله ليسلم له وينال جزاءه، والإمام الكتاب الذي سجل فيه عمل الإنسان ويقويه

وكل شيء أحصيناه في إمام مبين

[يس: 12] قال ابن عباس: الإمام ما عمل وأملي فكتب عليه، فمن بعث متقيا لله جعل كتابه بيمينه فقرأه واستبشر ﴿ فمن أوتي كتابه بيمينه ﴾ أي فمن أعطي كتاب عمله بيمينه وهم السعداء أولو البصائر والنهى المتقون لله ﴿ فأولئك يقرؤون كتابهم ﴾ أي يقرءون حسناتهم بفرح واستبشار لأنهم أخذوا كتبهم بأيمانهم ﴿ ولا يظلمون فتيلا ﴾ أي ولا ينقصون من أجور أعمالهم شيئا ولو كان بمقدار الفتيل وهو الخيط الذي في شق النواة ﴿ ومن كان في هذه أعمى ﴾ أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب، لا يهتدي إلى الحق ولا إلى الخير ﴿ فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ﴾ أي فهو في الآخرة أشد عمى وأشد ضلالا عن طريق السعادة والنجاة قال قتادة: من كان في هذه الدنيا أعمى عما عاين من نعم الله وخلقه وعجائبه، فهو فيما يغيب عنه من أمر الآخرة أشد عمى وأضل طريقا ﴿ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك ﴾ أي وإن كان الحال والشأن أن المشركين قاربوا أن يصرفوك عن الذي أوحيناه إليك يا محمد من بعض الأوامر والنواهي ﴿ لتفتري علينا غيره ﴾ أي لتأتي بغير ما أوحاه الله إليك وتخالف تعاليمه ﴿ وإذا لاتخذوك خليلا ﴾ أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك صاحبا وصديقا قال المفسرون: حاول المشركون محاولات كثيرة ليثنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المضي في دعوته منها: مساومتهم له أن يعبدوا إلهه مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم، ومنها مساومة بعضهم أن يجعل أرضهم حراما كالبيت العتيق الذي حرمه الله، ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس الفقراء، فعصمه الله من شرهم وأخبر أنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ أي لولا أن ثبتاك على الحق بعصمتنا إياك ﴿ لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ﴾ أي كدت تميل إليهم وتسايرهم على ما طلبوا ﴿ إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي لو ركنت إليهم لضاعفنا لك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لأن الذنب من العظيم جرم كبير يستحق مضاعفة العذاب، والغرض من الآية بيان فضل الله على الرسول في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة، ولو تخلى عن عصمته لمال إليهم بعض الشيء و ﴿ لولا ﴾ حرف امتناع لوجود أي امتنع الركون إليهم لعصمته تعالى وتثبيته له، فليس في الآية ما ينقص من قدر الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هي بيان لفضل الله العظيم على نبيه الكريم ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيرا ﴾ أي لا تجد من ينصرك منا أو يدفع عنك عذابنا ﴿ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ﴾ أي وإن كاد المشركون بمكرهم وإزعاجهم أن يخرجوك يا محمد من أرض مكة ﴿ وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ﴾ أي لو أخرجوك لم يلبثوا بعد خروجك إلا زمنا يسيرا وفق سنة الله التي لا تتبدل مع الذين يخرجون رسلهم من أوطانهم قال قتادة: هم أهل مكة بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ولو فعلوا ذلك ما أمهلوا ولكن الله تعالى منعهم من إخراجه حتى أمره بالخروج ﴿ سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ﴾ أي هذه عادة الله مع رسله في إهلاك كل أمة أخرجت رسولها من بين أظهرهم ﴿ ولا تجد لسنتنا تحويلا ﴾ أي لن تجد لها تبديلا أو تغييرا ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل ﴾ أي حافظ يا محمد على الصلاة في أوقاتها من وقت زوال الشمس عند الظهيرة إلى وقت ظلمة الليل ﴿ وقرآن الفجر ﴾ أي وأقم صلاة الفجر، وإنما عبر عنها بقرآن الفجر لأنه تطلب إطالة القراءة فيها ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهودا ﴾ أي تشهده ملائكة الليل والنهار كما في الحديث

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٧٤