" يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك! فيقول: أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا "
﴿ ذلك هو الفوز العظيم ﴾ أي ذلك هو الظفر العظيم الذي لا سعادة بعده ﴿ يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ﴾ قال ابن عباس: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان ﴿ واغلظ عليهم ﴾ أي اشدد عليهم بالجهاد والقتال والارعاب ﴿ ومأواهم جهنم ﴾ أي مسكنهم ومثواهم جهنم ﴿ وبئس المصير ﴾ أي بئس المكان الذي يصار إليه جهنم ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ﴾ أي يحلف المنافقون أنهم ما قالوا الذي بلغك عنهم من السب قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي، وذلك أنه اقتتل رجلان: جهني وانصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال ابن سلول للأنصار: ألا تنصرون أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل " سمن كلبك يأكلك " فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه يسأله فجعل يحلف بالله ما قاله فأنزل الله فيه هذه الآية ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ هي قول ابن سلول " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " ﴿ وكفروا بعد إسلامهم ﴾ أي أظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ قال ابن كثير: هم نفر من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم عند عودته من تبوك وكانوا بضعة عشر رجلا ﴿ وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ﴾ أي ما عابوا على الرسول وما له عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته، ويمن سعادته، وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب.
. ثم دعاهم تبارك وتعالى إلى التوبة فقال ﴿ فإن يتوبوا يك خيرا لهم ﴾ أي فإن يتوبوا عن النفاق يكن رجوعهم وتوبتهم خيرا لهم وأفضل ﴿ وإن يتولوا ﴾ أي يعرضوا ويصروا على النفاق ﴿ يعذبهم الله عذابا أليما ﴾ أي يعذبهم عذابا شديدا ﴿ في الدنيا والآخرة ﴾ أي في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالنار وسخط الجبار ﴿ وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ﴾ أي ليس لهم من ينقذهم من العذاب، أو يشفع لهم فيخلصهم وينجيهم يوم الحساب.
البلاغة: 1- ﴿ هو أذن ﴾ أصله هو كالأذن يسمع كل ما يقال له، فحذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه فصار تشبيها بليغا مثل زيد أسد.
2- ﴿ يؤذون رسول الله ﴾ أبرز اسم الرسول ولم يأت به ضميرا ﴿ يؤذونه ﴾ تعظيما لشأنه عليه السلام وجمعا له بين الرتبتين العظيمتين " النبوة والرسالة " وإضافته إليه زيادة في التكريم والتشريف.
3- ﴿ ذلك الخزي العظيم ﴾ الإشارة بالبعيد عن القريب للإيذان ببعد درجته في الهول والفظاعة.
4- ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ قبض اليد كناية عن الشح والبخل، كما أن بسطها كناية عن الجود والكرم.
5- ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ من باب المشاكلة لأن الله لا ينسى أي تركوا طاعته فتركهم تعالى من رحمته.
6- ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ إلتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التقريع والعتاب.
7- ﴿ فاستمتعوا بخلاقهم.. ﴾ الآية فيه إطناب والغرض منه الذم والتوبيخ لاشتغالهم بالمتاع الخسيس، عن الشيء النفيس.
8- ﴿ وما نقموا إلا أن أغناهم الله.. ﴾ في الآية تأكيد المدح بما يشبه الذم على حد قول القائل " ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم " البيت.
فائدة: روى ابن كثير عن علي كرم الله وجهه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف: سيف للمشركين
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين
[التوبة: 5] وسيف لأهل الكتاب
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر..
[التوبة: 29] وسيف للمنافقين ﴿ جاهد الكفار والمنافقين ﴾ وسيف للبغاة
فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله
[الحجرات: 9].