تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. والغرض من الآية بيان استحقاقهم لعذاب الاستئصال بسبب جرائمهم الشنيعة، ولكن الله رفعه عنهم إكراما لرسوله عليه السلام، ولاستغفار المسلمين المستضعفين ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية ﴾ هذا من جملة قبائحهم أي ما كانت عبادة المشركين وصلاتهم عند البيت الحرام إلا تصفيرا وتصفيقا، وكانوا يفعلونهما إذا صلى المسلمون ليخلطوا عليهم صلاتهم، والمعنى أنهم وضعوا مكان الصلاة والتقرب إلى الله التصفير والتصفيق قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي فذوقوا عذاب القتل والأسر بسبب كفركم وأفعالكم القبيحة، وهو إشارة إلى ما حصل لهم يوم بدر ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ﴾ أي يصرفون أموالهم ويبذلونها لمنع الناس عن الدخول في دين الإسلام، ولحرب محمد عليه السلام، قال الطبري: لما أصيب كفار قريش يوم بدر، ورجع فلهم إلى مكة قالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا فنزلت الآية ﴿ فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ﴾ أي فسينفقون هذه الأموال ثم تصير ندامة عليهم، لأن أموالهم تذهب ولا يظفرون بما كانوا يطمعون من إطفاء نور الله وإعلاء كلمة الكفر ﴿ ثم يغلبون ﴾ إخبار بالغيب أي ثم نهايتهم الهزيمة والاندحار

كتب الله لأغلبن أنا ورسلي

[المجادلة: 21] ﴿ والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ﴾ أي والذين ماتوا على الكفر منهم يساقون إلى جهنم، فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم ومن هلك ﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب ﴾ أي ليفرق الله بين جند الرحمن وجند الشيطان، ويفصل بين المؤمنين الأبرار والكفرة الأشرار، والمراد بالخبيث والطيب الكافر والمؤمن ﴿ ويجعل الخبيث بعضه على بعض ﴾ أي يجعل الكفار بعضهم فوق بعض ﴿ فيركمه جميعا ﴾ أي يجعلهم كالركام متراكما بعضهم فوق بعض لشدة الازدحام ﴿ فيجعله في جهنم ﴾ أي فيقذف بهم في نار جهنم ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ أي الكاملون في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم، ثم دعاهم تعالى إلى التوبة والإنابة، وحذرهم من الإصرار على الكفر والضلال فقال سبحانه ﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، إن ينتهوا عن الكفر ويؤمنوا بالله ويتركوا قتالك وقتال المؤمنين، يغفر لهم ما قد سلف من الذنوب والآثام ﴿ وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ﴾ أي وإن عادوا إلى قتالك وتكذيبك فقد مضت سنتي في تدمير وإهلاك المكذبين لأنبيائي، فكذلك نفعل بهم، وهذا وعيد شديد لهم بالدمار إن لم يقلعوا عن المكابرة والعناد ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ﴾ أي قاتلوا يا معشر المؤمنين أعداءكم المشركين حتى لا يكون شرك ولا يعبد إلا الله وحده، قال ابن عباس: الفتنة: الشرك، أي حتى لا يبقى مشرك على وجه الأرض وقال ابن جريج: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ أي تضمحل الأديان الباطلة ولا يبقى إلا دين الإسلام قال الألوسي: واضمحلالها إما بهلاك أهلها جميعا، أو برجوعهم عنها خشية القتل، لقوله عليه السلام

" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله "

﴿ فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ﴾ أي فإن انتهوا عن الكفر وأسلموا فإن الله مطلع على قلوبهم، يثيبهم على توبتهم وإسلامهم ﴿ وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ﴾ أي وإن لم ينتهوا عن كفرهم وأعرضوا عن الإيمان فاعلموا يا معشر المؤمنين أن الله ناصركم ومعينكم عليهم، فثقوا بنصرته وولايته ولا تبالوا بمعاداتهم لكم ﴿ نعم المولى ونعم النصير ﴾ أي نعم الله أن يكون مولاكم فإنه لا يضيع من تولاه، ونعم النصير لكم فإنه لا يغلب من نصره الله.

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٦١