تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال...

[الأحزاب: 72] الآية قال ابن عباس: خيانة الله سبحانه بترك فرائضه، والرسول صلى الله عليه وسلم بترك سنته وارتكاب معصيته، والأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أي تعلمون أنه خيانة وتعرفون تبعة ذلك ووباله ﴿ واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ أي محنة من الله ليختبركم كيف تحافظون معها على حدوده قال الإمام الفخر: وإنما كانت فتنة لأنها تشغل القلب بالدنيا، وتصير حجابا عن خدمة المولى ﴿ وأن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي ثوابه وعطاؤه خير لكم من الأموال والأولاد فاحرصوا على طاعة الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ﴾ أي إن أطعتم الله واجتنبتم معاصيه يجعل لكم هداية ونورا في قلوبكم، تفرقون به بين الحق والباطل كقوله

ويجعل لكم نورا تمشون به

[الحديد: 28] وفي الآية دليل على أن التقوى تنور القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة ﴿ ويكفر عنكم سيئاتكم ﴾ أي يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم ﴿ ويغفر لكم ﴾ أي يسترها عليكم فلا يؤاخذكم بها ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ أي واسع الفضل عظيم العطاء ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ هذا تذكير بنعمة خاصة على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تذكير المؤمنين بالنعمة العامة عليهم والمعنى: اذكر يا محمد حين تآمر عليك المشركون في دار الندوة ﴿ ليثبتوك ﴾ أي يحبسوك ﴿ أو يقتلوك ﴾ أي بالسيف ضربة رجل واحد ليتفرق دمه صلى الله عليه وسلم بين القبائل ﴿ أو يخرجوك ﴾ أي من مكة ﴿ ويمكرون ويمكر الله ﴾ أي يحتالون ويتآمرون عليك يا محمد ويدبر لك ربك ما يبطل مكرهم ويفضح أمرهم ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أي مكره تعالى أنفذ من مكرهم وأبلغ تأثيرا قال الطبري في روايته عن ابن عباس: إن نفرا من أشراف قريش اجتمعوا في دار الندوة فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال شيخ من العرب، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح قالوا: أجل فادخل، فقال انظروا في شأن هذا الرجل - يعني محمدا صلى الله عليه وسلم - فقال قائل: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك، فصرخ عدو الله وقال: والله ما هذا لكم برأي، فليوشكن أن يثب أصحابه عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه فإنه إذا خرج فلن يضركم ما صنع وأين وقع، فقال الشيخ المذكور: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه القلوب بحديثه؟ والله لئن فعلتم لتجتمعن عليكم العرب حتى يخرجوكم من بلادكم ويقتلوا أشرافكم، قالوا صدق فانظروا رأيا غير هذا، فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره! قالوا: وما هو؟ قال نأخذ من كل قبيلة غلاما شابا جلدا، ونعطي كل واحد سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، ويتفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها فيقبلون الدية ونستريح منه ونقطع عنا أذاه، فصرخ عدو الله إبليس: هذا والله الرأي لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن له بالهجرة، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك.

. } الآية ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا ﴾ أي وإذا قرئت عليهم آيات القرآن المبين ﴿ قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا ﴾ أي قالوا مكابرة وعنادا: قد سمعنا هذا الكلام ولو أردنا لقلنا مثله ﴿ إن هذآ إلا أساطير الأولين ﴾ أي ما هذا القرآن الذي تتلوه علينا إلا أكاذيب وأباطيل وحكايات الأمم السابقة سطروها وليس كلام الله تعالى قال أبو السعود: وهذا غاية المكابرة ونهاية العناد، كيف لا، ولو استطاعوا لما تأخروا! فما الذي كان يمنعهم وقد تحداهم عشر سنين؟ وقرعوا على العجز، ثم قورعوا بالسيف فلم يعارضوه، مع أنفتهم، وفرط استنكافهم أن يغلبوا لا سيما في باب البيان؟! ﴿ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ﴾ أي إن كان هذا القرآن حقا منزلا من عندك ﴿ فأمطر علينا حجارة من السمآء ﴾ أي أنزل علينا حاصبا وحجارة من السماء كما أنزلتها على قوم لوط ﴿ أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ أي بعذاب مؤلم أهلكنا به، وهذا تهكم منهم واستهزاء قال ابن كثير: وهذا من كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم وعنادهم، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه، ولكنهم استعجلوا العقوبة والعذاب لسفههم ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ هذا جواب لكلمتهم الشنعاء وبيان للسبب الموجب لإمهالهم أي إنهم مستحقون للعذاب ولكنه لا يعذبهم وأنت فيهم إكراما لك يا محمد، فقد جرت سنة الله وحكمته ألا يعذب أمة ونبيها بين ظهرانيها قال ابن عباس: لم تعذب أمة قط ونبيها فيها، والمراد بالعذاب عذاب الاستئصال ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ أي وما كان الله ليعذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون الله، وهو إشارة الى استغفار من بقي بين أظهرهم من المسلمين المستضعفين قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، أما النبي فقد مضى، وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ أي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم؟ وكيف لا يعذبون وهم على ما هم عليه من العتو والضلال؟ ﴿ وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ أي وحالهم الصد عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وكما اضطروه والمؤمنين إلى الهجرة من مكة، ﴿ وما كانوا أوليآءه ﴾ أي ما كانوا أهلا لولاية المسجد الحرام مع إشراكهم ﴿ إن أوليآؤه إلا المتقون ﴾ أي إنما يستأهل ولايته من كان برا تقيا ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أي ولكن أكثرهم جهلة سفلة فقد كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، نصد من نشاء، وندخل من نشاء.

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٦٠