8.41-60
المناسبة: لما أمر تعالى بقتال المشركين، وذكر فيما تقدم طرفا من غزوة بدر، وكان لا بد بعد القتال من أن يغنم المجاهدون الغنائم - وهي أموال المشركين - على طريق القهر والظفر، ذكر سبحانه هنا حكم الغنائم وكيفية قسمتها، ثم سرد بقية الأحداث الهامة في تلك الغزوة المجيدة " غزوة بدر ".
اللغة: ﴿ العدوة الدنيا ﴾ عدوة الوادي: جانبه وشفيره، والدنيا تأنيث الأدنى أي الأقرب والمراد ما يلي جانب المدينة ﴿ العدوة القصوى ﴾ القصوى: تأنيث الأقصى أي الأبعد، وكل شيء تنحى عن شيء فقد قصا والمراد ما يلي جانب مكة ﴿ نكص ﴾ النكوص: الإحجام عن الشيء ﴿ كدأب ﴾ الدأب: العادة، وأصله في اللغة إدامة العمل يقال: فلان يدأب في كذا أي يدوم عليه ويواظب ثم سميت العادة دأبا لأن الإنسان مداوم على عادته ﴿ تثقفنهم ﴾ قال الليث: يقال ثقفنا فلانا في موضع كذا أي أخذناه وظفرنا به ﴿ فشرد ﴾ التشريد: التفريق والتبديد يقال: شردت القوم إذا قاتلتهم وطردتهم عنها حتى فارقوها.
التفسير: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ أي اعلموا أيها المؤمنون أنما غنمتوه من أموال المشركين في الحرب سواء كان قليلا أو كثيرا ﴿ فأن لله خمسه ﴾ قال الحسن: هذا مفتاح كلام، الدنيا والآخرة لله أي أن ذكر اسم الله على جهة التبرك والتعظيم كقوله
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة: 62] قال المفسرون: تقسم الغنيمة خمسة أقسام، فيعطى الخمس لمن ذكر الله تعالى في هذه الآية، والباقي يوزع على الغانمين ﴿ وللرسول ﴾ أي سهم من الخمس يعطى للرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ ولذي القربى ﴾ أي قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وبنو المطلب ﴿ واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ أي ولهؤلاء الأصناف من اليتامى الذين مات آباؤهم، والفقراء من ذوي الحاجة، والمنقطع في سفره من المسلمين ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ جواب الشرط محذوف تقديره: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن هذا هو حكم الله في الغنائم فامتثلوا أمره بطاعته ﴿ ومآ أنزلنا على عبدنا ﴾ أي وبما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يوم الفرقان ﴾ أي يوم بدر لأن الله فرق به بين الحق والباطل ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ أي جمع المؤمنين وجمع الكافرين، والتقى فيه جند الرحمن بجند الشيطان ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ أي قادر لا يعجزه شيء، ومنه نصركم مع قلتكم وكثرتهم ﴿ إذ أنتم بالعدوة الدنيا ﴾ هذا تصوير للمعركة أي وقت كنتم يا معشر المؤمنين بجانب الوادي القريب الى المدينة ﴿ وهم بالعدوة القصوى ﴾ أي وأعداؤكم المشركون بجانب الوادي الأبعد عن المدينة ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ أي والعير التي فيها تجارة قريش في مكان أسفل من مكانكم فيما يلي ساحل البحر ﴿ ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ﴾ أي ولو تواعدتم أنتم والمشركون على القتال لاختلفتم له ولكن الله بحكمته يسر وتمم ذلك قال كعب بن مالك: إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد قال الرازي: المعنى لو تواعدتم أنتم وأهل مكة على القتال لخالف بعضكم بعضا لقلتكم وكثرتهم، ﴿ ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ﴾ أي ولكن جمع بينكم على غير ميعاد ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، فكان أمرا متحققا واقعا لا محالة قال أبو السعود: والغرض من الآية أن يتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح، ليس إلا صنعا من الله عز وجل خارقا للعادات، فيزدادوا إيمانا وشكرا، وتطمئن نفوسهم بفرض الخمس ﴿ ليهلك من هلك عن بينة ﴾ أي فعل ذلك تعالى ليكفر من كفر عن وضوح وبيان ﴿ ويحيى من حي عن بينة ﴾ أي ويؤمن من آمن عن وضوح وبيان، فإن وقعة بدر من الآيات الباهرات على نصر الله لأوليائه وخذلانه لأعدائه ﴿ وإن الله لسميع عليم ﴾ أي سميع لأقوال العباد عليم بنياتهم ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلا ﴾ أي اذكر يا محمد حين أراك الله في المنام أعداءك قلة، فأخبرت بها أصحابك حتى قويت نفوسهم وتشجعوا على حربهم قال مجاهد: أراه الله إياهم في منامه قليلا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فكان تثبيتا لهم ﴿ ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ﴾ أي ولو أراك ربك عدوك كثيرا لجبن أصحابك ولم يقدروا على حرب القوم، وانظر إلى محاسن القرآن فإنه لم يسند الفشل إليه صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم بل قال ﴿ لفشلتم ﴾ إشارة إلى أصحابه ﴿ ولتنازعتم في الأمر ﴾ أي ولاختلفتم يا معشر الصحابة في أمر قتالهم ﴿ ولكن الله سلم ﴾ أي ولكن الله أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي عليم بما في القلوب يعلم ما يغير أحوالها من الشجاعة والجبن، والصبر والجزع ﴿ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ﴾ هذه الرؤية باليقظة لا بالمنام أي واذكروا يا معشر المؤمنين حين التقيتم في المعركة فقلل الله عدوكم في أعينكم لتزداد جرأتكم عليهم، وقللكم في أعينهم حتى لا يستعدوا ويتأهبوا لكم قال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل: أتراهم يكونون مائة؟ وهذا قبل التحام الحرب فلما التحم القتال كثر الله المؤمنين في أعين الكفار فبهتوا وهابوا، وفلت شوكتهم، ورأوا ما لم يكن في الحسبان، وهذا من عظائم آيات الله في تلك الغزوة ﴿ ليقضي الله أمرا كان مفعولا ﴾ أي فعل ذلك فجرأ المؤمنين على الكافرين، والكافرين على المؤمنين، لتقع الحرب ويلتحم القتال، وينصر الله جنده ويهزم الباطل وحزبه، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ أي مصير الأمور كلها إلى الله يصرفها كيف يريد، لا معقب لحكمه وهو الحكيم المجيد، ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ﴾ هذا إرشاد إلى سبيل النصر في مبارزة الأعداء أي إذا لقيتم جماعة من الكفرة فاثبتوا لقتالهم ولا تنهزموا ﴿ واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ﴾ أي أكثروا من ذكر الله بألسنتكم لتستمطروا نصره وعونه وتفوزوا بالظفر عليهم ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ أي في جميع أقوالكم وأفعالكم ولا تخالفوا أمرهما في شيء ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا ﴾ أي ولا تختلفوا فيما بينكم فتضعفوا وتجبنوا عن لقاء عدوكم ﴿ وتذهب ريحكم ﴾ أي تذهب قوتكم وبأسكم، ويدخلكم الوهن والخور ﴿ واصبروا إن الله مع الصابرين ﴾ أي واصبروا على شدائد الحرب وأهوالها، فإن الله مع الصابرين بالنصر والعون ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس ﴾ أي لا تكونوا ككفار قريش حين خرجوا لبدر عتوا وتكبرا، وطلبا للفخر والثناء، والآية إشارة إلى قول أبي جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنشرب فيها الخمور وننحر الجزور، وتعزف علينا القيان - المغنيات - وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدا قال الطبري: فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا، وناحت عليهم النوائح مكان القيان ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ أي ويمنعون الناس عن الدخول في الإسلام ﴿ والله بما يعملون محيط ﴾ أي وهو سبحانه عالم بجميع ذلك وسيجازيهم عليه ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ أي واذكر وقت أن حسن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة من الشرك وعبادة الأصنام، وخروجهم لحرب الرسول عليه السلام ﴿ وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ﴾ أي لن يغلبكم محمد وأصحابه ﴿ وإني جار لكم ﴾ أي مجير ومعين لكم ﴿ فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه ﴾ أي فلما تلاقى الفريقان ولى الشيطان هاربا موليا الأدبار ﴿ وقال إني بريء منكم ﴾ أي بريء من عهد جواركم، وهذا مبالغة في الخذلان لهم ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ أي أرى الملائكة نازلين لنصرة المؤمنين وأنتم لا ترون ذلك وفي الحديث