تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع - أي ثعبانا عظيما - له زبيبتان فيأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا يحسبن الذين يبخلون ﴾ الآية ﴿ ولله ميراث السموت والأرض ﴾ "

أي جميع ما في الكون ملك له يعود إليه بعد فناء خلقه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ أي مطلع على أعمالكم.

البلاغة: قال في البحر: تضمنت هذه الآيات فنونا من البلاغة والبديع: الإطناب في ﴿ يستبشرون ﴾ وفي ﴿ لن يضروا ﴾ وفي اسم الجلالة في مواضع، والطباق في ﴿ أمواتا بل أحياء ﴾ وفي ﴿ الكفر بالإيمان ﴾ والاستعارة في ﴿ اشتروا الكفر ﴾ وفي ﴿ يسارعون في الكفر ﴾ وفي ﴿ الخبيث والطيب ﴾ إذ يراد به المؤمن والمنافق والحذف في مواضع.

فائدة: قوله تعالى ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار قال السيوطي في الإكليل: يستحب قول هذه الكلمة عند الغم والأمور العظيمة.

3.181-189

المناسبة: بعد أن انتهى الاستعراض القرآني لمعركة أحد وما فيها من أحداث جسيمة، وتناولت الآيات ضمن ما تناولت مكائد المنافقين ودسائسهم، وما انطوت عليه نفوسهم من الكيد للإسلام والغدر بالمسلمين وتثبيط عزائمهم عن الجهاد في سبيل الله، أعقبه تعالى بذكر دسائس اليهود وأساليبهم الخبيثة في محاربة الدعوة الإسلامية عن طريق التشكيك والبلبلة، والكيد والدس، ليحذر المؤمنين من خطرهم كما حذرهم من المنافقين، والآيات الكريمة تتحدث عن اليهود وموقفهم المخزي من الذات الإلهية، واتهامهم لله عز وجل بأشنع الاتهامات بالبخل والفقر، ثم نقضهم للعهود، وقتلهم للأنبياء، وخيانتهم للأمانة التي حملهم الله إياها، إلى آخر ما هنالك من جرائم وشنائع اتصف بها هذا الجنس الملعون.

اللغة: ﴿ عهد إلينا ﴾ أوصانا ﴿ بقربان ﴾ القربان: ما يذبح من الأنعام تقربا إلى الله تعالى ﴿ البينات ﴾ الآيات الواضحات والمراد به هنا المعجزات ﴿ الزبر ﴾ جمع زبور وهو الكتاب من الزبر وهو الكتابة، والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب كالركوب بمعنى المركوب قال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة ﴿ زحزح ﴾ الزحزحة: التنحية والإبعاد تكرير الزح وهو الجذب بعجلة ﴿ فاز ﴾ ظفر بما يؤمل ونجا مما يخاف ﴿ الغرور ﴾ مصدر غره يغره غرورا أي خدعه ﴿ متاع ﴾ المتاع: ما يتمتع به وينتفع ثم يزول ﴿ لتبلون ﴾ لتمتحنن من بلاه أي امتحنه ﴿ عزم الأمور ﴾ أصل العزم ثبات الرأي على الشيء والمراد هنا صواب التدبير والرأي وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه ﴿ بمفازة ﴾ بمنجاة من قولهم فاز فلان إذا نجا.

سبب النزول: أ - عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق ذات يوم بيت مدراس اليهود، فوجد ناسا من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له " فنحاص بن عازوراء " وكان من علمائهم وأحبارهم فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول من عند الله قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنيا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر وضرب وجه " فنحاص " ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: انظر إلى ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟ فقال يا رسول الله: إن عدو الله قال قولا عظيما، زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء، فغضبت لله وضربت وجهه فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله ردا على فنحاص وتصديقا لأبي بكر ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء ﴾ الآية.

صفوة التفاسير · الصفحة ١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٣٩