ب - عن ابن عباس قال: جاء جماعة من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - منهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وفنحاص بن عازوراء - وغيرهم فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتابا، وقد عهد الله إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا بهذا صدقناك فنزلت هذه الآية ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء ﴾ هذه المقالة الشنيعة مقالة أعداء الله اليهود عليهم لعنة الله زعموا أن الله فقير، وذلك حين نزل قوله تعالى
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
[البقرة: 245] قالوا: إن الله فقير يقترض منا كما قالوا
يد الله مغلولة
[المائدة: 64] قال القرطبي: وإنما قالوا هذا تمويها على ضعفائهم لا أنهم يعتقدون هذا، وغرضهم تشكيك الضعفاء من المؤمنين وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أي إنه فقير على قول محمد لأنه اقترض منا ﴿ سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ﴾ أي سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوه في صحائف أعمالهم ونكتب جريمتهم الشنيعة بقتل الأنبياء بغير حق، والمراد بقتلهم الأنبياء رضاهم بفعل أسلافهم ﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ أي ويقول الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة: ذوقوا عذاب النار المحرقة الملتهبة ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ أي ذلك العذاب بما اقترفته أيديكم من الجرائم ﴿ وأن الله ليس بظلام للعبيد ﴾ أي وأنه سبحانه عادل ليس بظالم للخلق، والمراد أن ذلك العقاب حاصل بسبب معاصيكم، وعدل الله تعالى فيكم، قال الزمخشري: ومن العدل أن يعاقب المسيء ويثيب المحسن ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ﴾ أي هم الذين قالوا إن الله أمرنا وأوصانا في التوراة ﴿ ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ﴾ أي أمرنا بأن لا نصدق لرسول حتى يأتينا بآية خاصة وهي أن يقدم قربانا فتنزل نار من السماء فتأكله، وهذا افتراء على الله حيث لم يعهد إليهم بذلك ﴿ قل قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ أي قل لهم يا محمد توبيخا وإظهارا لكذبهم: قد جاءتكم رسل قبلي بالمعجزات الواضحات والحجج الباهرات الدالة على صدق نبوتهم وبالذي ادعيتم ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ أي فلم كذبتموهم وقتلتموهم إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بالله والتصديق برسله؟ ثم قال تعالى مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك ﴾ أي لا يحزنك يا محمد تكذيب هؤلاء لك، فإنهم إن فعلوا ذلك فقد كذبت أسلافهم من قبل رسل الله فلا تحزن فلك بهم أسوة حسنة ﴿ جآءوا بالبينات ﴾ أي كذبوهم مع أنهم جاءوهم بالبراهين القاطعة والمعجزات الواضحة ﴿ والزبر والكتاب المنير ﴾ أي بالكتب السماوية المملوءة بالحكم والمواعظ، والكتاب الواضح الجلي كالتوراة والإنجيل ﴿ كل نفس ذآئقة الموت ﴾ أي مصير الخلائق إلى الفناء وكل نفس ميتة لا محالة كقوله
كل من عليها فان
[الرحمن: 26] ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ أي تعطون جزاء أعمالكم وافيا يوم القيامة ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ أي فمن نحي عن النار وأبعد عنها، وأدخل الجنة فقد فاز بالسعادة السرمدية والنعيم المخلد ﴿ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ أي ليست الدنيا إلا دار الفناء يستمتع بها الأحمق المغرور قال ابن كثير: الآية فيها تصغير لشأن الدنيا وتحقير لأمرها وأنها فانية زائلة ﴿ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ﴾ أي والله لتمتحنن وتختبرن في أموالكم بالفقر والمصائب، وفي أنفسكم بالشدائد والأمراض ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ﴾ أي ولينالنكم من اليهود والنصارى والمشركين - أعدائكم - الأذى الكثير، وهذا إخبار منه جل وعلا للمؤمنين بأنه سينالهم بلايا وأكدار من المشركين والفجار، وأمر لهم بالصبر عند وقوع ذلك لأن الجنة حفت بالمكاره ولهذا قال ﴿ وإن تصبروا وتتقوا ﴾ أي وإن تصبروا على المكاره وتتقوا الله في الأقوال والأعمال ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي الصبر والتقوى من الأمور التي ينبغي أن تعزموا وتحزموا عليها لأنها مما أمر الله بها ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد على اليهود في التوراة ﴿ لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾ أي لتظهرن ما في الكتاب من أحكام الله ولا تخفونها، قال ابن عباس: هي لليهود أخذ عليهم العهد والميثاق في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتموه ونبذوه ﴿ فنبذوه ورآء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا ﴾ أي طرحوا ذلك العهد وراء ظهورهم واستبدلوا به شيئا حقيرا من حطام الدنيا ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ أي بئس هذا الشراء وبئست تلك الصفقة الخاسرة ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ﴾ أي لا تظنن يا محمد الذين يفرحون بما أتوا من إخفاء أمرك عن الناس ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ أي ويحبون أن يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ﴾ أي فلا تظننهم بمنجاة من عذاب الله ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ أي عذاب مؤلم قال ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه ﴿ ولله ملك السموت والأرض ﴾ أي له سبحانه جميع ما في السماوات والأرض فكيف يكون من له ما في السماوات والأرض فقيرا؟ والآية رد على الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ أي هو تعالى قادر على عقابهم.