وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
[النساء: 171] على أن عيسى ابن الله أو هو جزء من الله فادعوا ألوهيته وتركوا المحكم وهو قوله تعالى
إن هو إلا عبد أنعمنا عليه
[الزخرف: 59] الدال على أنه عبد من عباد الله ورسول من رسله ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ أي لا يعلم تفسير المتشابه ومعناه الحقيقي إلا الله وحده ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴾ أي الثابتون المتمكنون من العلم يؤمنون بالمتشابه وأنه من عند الله ﴿ كل من عند ربنا ﴾ أي كل من المتشابه والمحكم حق وصدق لأنه كلام الله، قال تعالى ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ أي ما يتعظ ويتدبر إلا أصحاب العقول السليمة المستنيرة ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا ﴾ أي لا تملها عن الحق ولا تضلنا ﴿ بعد إذ هديتنا ﴾ أي بعد أن هديتنا إلى دينك القويم وشرعك المستقيم ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ أي امنحنا من فضلك وكرمك رحمة تثبتنا بها على دينك الحق ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ أي أنت يا رب المتفضل على عبادك بالعطاء والإحسان ﴿ ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ﴾ أي جامع الخلائق في ذلك اليوم الرهيب " يوم الحساب " الذي لا شك فيه ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ أي وعدك حق وأنت يا رب لا تخلف الموعد، كقوله تعالى
الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا
[النساء: 87]؟!
البلاغة: 1- ﴿ نزل عليك الكتاب ﴾ عبر عن القرآن بالكتاب الذي هو اسم جنس إيذانا بكمال تفوقه على بقية الكتب السماوية كأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب.
2- ﴿ لما بين يديه ﴾ كناية عما تقدمه وسبقه من الكتب السماوية فسمى ما مضى بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره.
3- ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ أي أنزل سائر ما يفرق بين الحق والباطل فهو من باب عطف العام على الخاص حيث ذكر أولا الكتب الثلاثة ثم عم الكتب كلها لإفادة الشمول مع العناية بالخاص.
4- ﴿ هن أم الكتاب ﴾ قال الشريف الرضي: هذه استعارة والمراد بها أن هذه الآيات جماع الكتاب وأصله فهي بمنزلة الأم له، وكأن سائر القرآن يتبعها أو يتعلق بها كما يتعلق الولد بأمه ويفزع إليها في مهمه.
5- ﴿ والراسخون في العلم ﴾ وهذه استعارة والمراد بها المتمكنون في العلم تشبيها برسوخ الشىء الثقيل في الأرض الخوارة وهو أبلغ من قوله والثابتون في العلم.
الفوائد: الأولى: روى مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ الآية ثم قال:
" إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم ".
الثانية: قال القرطبي: أحسن ما قيل في المتشابه والمحكم: أن المحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه ولم يكن لأحد إلى علمه سبيل، قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجال، وعيسى، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور.
الثالثة: آيات القرآن قسمان: محكمات ومتشابهات كما دلت عليه الآية الكريمة، فإن قيل: كيف يمكن التوفيق بين هذه الآية وبين ما جاء في سورة هود أن القرآن كله محكم
كتاب أحكمت آياته
[الآية: 1] وما جاء في الزمر أن القرآن كله متشابه
نزل أحسن الحديث كتابا متشابها
[الآية: 23]؟! فالجواب أنه لا تعارض بين الآيات إذ كل آية لها معنى خاص غير ما نحن في صدده فقوله
أحكمت آياته
[هود: 1] بمعنى أنه ليس به عيب، وأنه كلام حق فصيح الألفاظ، صحيح المعاني وقوله
كتابا متشابها
[الزمر: 23] بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن ويصدق بعضه بعضا، فلا تعارض بين الآيات.
الرابعة: روى البخاري عن سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ما هو؟ قال قوله تعالى: