تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد

[الكهف: 110، فصلت: 6] الآية، وقال تعالى:

ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق

[الفرقان: 20]، وقال تعالى:

ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى

[يوسف: 109]، وقال تعالى:

يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم

[الأنعام: 130]؟ فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم، بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿ يتلوا عليهم آياته ﴾ يعني القرآن ﴿ ويزكيهم ﴾ أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم، وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم، ﴿ ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ يعني القرآن والسنة، ﴿ وإن كانوا من قبل ﴾ أي من قبل هذا الرسول، ﴿ لفي ضلال مبين ﴾ أي لفي غي وجهل ظاهر جلي بين لكل واحد.

3.165-168

يقول تعالى: ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة ﴾ وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتلى السبعين منهم، ﴿ قد أصبتم مثليها ﴾ يعني يوم بدر فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلا، وأسروا سبعين أسيرا ﴿ قلتم أنى هذا ﴾ أي من أين جرى علينا هذا؟ ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾. عن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ﴾ بأخذكم الفداء، وهكذا قال الحسن البصري وقوله: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ أي بسبب عصيانكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة، ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ أي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ثم قال تعالى: ﴿ ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ أي فراركم بين يدي عدوكم، وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك، ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ أي الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا، ﴿ وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ﴾ يعني بذلك أصحاب (عبد الله بن أبي ابن سلول) الذين رجعوا معه في أثناء الطريق فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإتيان والقتال والمساعدة، ولهذا قال: ﴿ أو ادفعوا ﴾ ، قال ابن عباس وعكرمة: يعني كثروا سواد المسلمين، وقال الحسن: ادفعوا بالدعاء، وقال غيره: رابطوا، فتعللوا قائلين: ﴿ لو نعلم قتالا لاتبعناكم ﴾ ، قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربا لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالا. وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه؛ حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة انحاز عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس فقال: أطاعهم فخرج وعصاني، ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الإنصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: ﴿ هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ﴾ ، استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان لقوله: ﴿ هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ﴾.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢٨٦