تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.159-164

يقول تعالى مخاطبا رسوله ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره وأطاب لهم لفظه ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ أي بأي شيء جعلك الله لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم، وقال قتادة: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يقول: فبرحمة من الله لنت لهم و (ما) صلة، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله

فبما نقضهم ميثاقهم

[النساء: 155، المائدة: 13]، وبالنكرة كقوله:

عما قليل

[المؤمنون: 40] وهكذا ههنا. قال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ أي برحمة من الله، وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى:

لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم

[التوبة: 128]. ثم قال تعالى: ﴿ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ ، والفظ: الغليظ والمراد به ههنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك: ﴿ غليظ القلب ﴾ أي لو كنت سيء الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إني أرى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة " أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ". ولهذا قال تعالى: ﴿ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ﴾. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطيبا لقلوبهم، ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون. وشاورهم أيضا أين يكون المنزل، حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه السعدان، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصديق: إنا لم نجيء لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال، فكان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها.

وروينا عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ قال: نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وأبوي المسلمين، وقد روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر:

" لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما "

، وروى ابن مردويه، عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم؟ فقال:

" مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم "

، وقد قال ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" المستشار مؤتمن ".

وقوله تعالى: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ ، أي إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ﴿ إن الله يحب المتوكلين ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ وهذه الآية كما تقدم من قوله:

وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم

[آل عمران: 126]، ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ ، قال ابن عباس ومجاهد: ما ينبغي لنبي أن يخون، وقال ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ أي يخون. وقال ابن جرير، عن ابن عباس، أن هذه الآية: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ ، وعنه قال: اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقد، فأنزل الله تعالى: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ ، وهذا تنزيه له صلوات الله وسلامه عليه من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك. ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضا في أحاديث متعددة. قال الإمام أحمد عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢٨٤