تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.5-6

يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض لا يخفى عليه شيء من ذلك، ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء ﴾ أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، ﴿ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ أي هو الذي خلق وهو المستحق للإلهية، وحده لا شريك له وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام، وهذه الآية فيها تعريض بل تصريح بأن عيسى بن مريم عبد مخلوق كما خلق الله سائر البشر، لأن الله صوره في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى عليهم لعائن الله!! وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال!؟ كما قال تعالى:

يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث

[الزمر: 6].

3.7-9

يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات ﴿ هن أم الكتاب ﴾ أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: ﴿ هن أم الكتاب ﴾ أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿ وأخر متشابهات ﴾ أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد، وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه، فقال ابن عباس: المحكمات ناسخة وحلاله وحرامه وحدوده وأحكامه وما يؤمر به ويعمل به. وقال يحيى بن يعمر: الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام، وقال سعيد بن جبير: ﴿ هن أم الكتاب ﴾ لأنهن مكتوبات في جميع الكتب، وقال مقاتل: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن. وقيل: في المتشابهات: المنسوخة والمقدم والمؤخر والأمثال فيه والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به، روي عن ابن عباس، وقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور قاله مقاتل بن حيان، وعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضها بعضا وهذا إنما هو في تفسير قوله:

كتابا متشابها مثاني

[الزمر: 23] هناك ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار وحال الفجار ونحو ذلك، وأما ها هنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم، وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمنا، وهو الذي نص عليه ابن يسار رحمه الله حيث قال: ﴿ منه آيات محكمات ﴾ فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم الباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، قال: والمتشابهات في الصدق ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ أي إنما يأخذون منه المتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه. فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ أي الإضلال لأتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله:

إن هو إلا عبد أنعمنا عليه

[الزخرف: 59] وبقوله:

إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون

[آل عمران: 59]، وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد ورسول من رسل الله.

وقوله تعالى: ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ أي تحريفه على ما يريدون، وقال مقاتل والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن، وقد قال الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢٢٣