تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.149-153

يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿ إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ﴾ ، ثم أمرهم بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه فقال تعالى: ﴿ بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ﴾ ، ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال: ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بمآ أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ﴾ وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة "

وقال الإمام أحمد: عن أبي موسى قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" أعطيت خمسا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة وإني قد اختبأت شفاعتي لمن مات لا يشرك بالله شيئا "

قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

" إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب "

وقوله تعالى: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ﴾ قال ابن عباس: وعدهم الله النصر، ﴿ إذ تحسونهم ﴾ أي تقتلونهم ﴿ بإذنه ﴾ أي بتسليطه إياكم عليهم ﴿ حتى إذا فشلتم ﴾ الفشل: الجبن ﴿ وتنازعتم في الأمر وعصيتم ﴾ كما وقع للرماة ﴿ من بعد مآ أراكم ما تحبون ﴾ وهو الظفر بهم ﴿ منكم من يريد الدنيا ﴾ وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة ﴿ ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ﴾ ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ أي غفر لكم ذلك الصنيع. قال ابن جريج: قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ قال: لم يستأصلكم ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾.

عن ابن مسعود قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر، أنه ليس منا أحد يريد الدنيا حتى أنزل الله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ﴾ ، فلما خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به أفرد النبي صلى الله عليه وسلم في تسعة، سبعة من الأنصار ورجلين من قريش وهو عاشرهم صلى الله عليه وسلم، فلما أرهقوه قال:

" " رحم الله رجلا ردهم عنا " ، قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما أرهقوه أيضا قال: " رحم الله رجلا ردهم عنا " ، فلم يزل يقول ذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: " ما أنصفنا أصحابنا " ، فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قولوا الله أعلى وأجل، فقالوا: الله أعلى وأجل فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قولوا: الله مولانا والكافرون لا مولى لهم " ، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر (فيوم علينا ويوم لنا: ويوم نساء ويوم نسر) حنظلة بحنظلة وفلان بفلان: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا سواء: أما قتلانا فأحياء يرزقون؛ وأما قتلاكم ففي النار يعذبون " ، فقال أبو سفيان: لقد كان في القوم مثلة - وإن كانت لعن غير ملي منا - ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكلت شيئا "؟ قالوا: لا، قال: " ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار " ، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة، حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة ".

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢٧٨