تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما لهم من الله من واق

[الرعد: 34]، ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ﴾ أي في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ﴾ أي هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، هو مما قاله تعالى وأوحاه إليك، ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم:

ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون

[الآية: 34-35]، وههنا قال تعالى: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون... ﴾.

3.59-63

يقول جل وعلا: ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ في قدرة الله حيث خلقه من غير أب ﴿ كمثل ءادم ﴾ حيث خلقه من غير أب ولا أم، بل ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾. فالذي خلق آدم من غير أب قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقا من غير أب فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواهم في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادا، ولكن الرب جل جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم:

ولنجعله آية للناس

[الآية: 21]، وقال ههنا: ﴿ الحق من ربك فلا تكن من الممترين ﴾ أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال! ثم قال تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان: ﴿ فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ﴾ أي نحضرهم في حال المباهلة ﴿ ثم نبتهل ﴾ أي نلتعن ﴿ فنجعل لعنت الله على الكاذبين ﴾ أي منا ومنكم. يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردا عليهم. قال ابن إسحاق في سيرته: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى من نجران ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب قال - يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم - وقد حانت صلاتهم فقالوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعوهم " ، فصلوا إلى المشرق. قال: فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والأيهم - وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم - يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وكذلك النصرانية فهم يحتجون في قولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص والأسقام ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، وذلك كله بأمر الله.

وليجعله الله آية للناس، ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، وفيقولون لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو عيسى ومريم - تعالى الله وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا - وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢٤٦