ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا
[التوبة: 25]. وقال الإمام أحمد، عن سماك قال: سمعت عياضا الأشعري، قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء. وقال عمر: إذا كان قتالا فعليكم أبو عبيدة، قال: فكتبنا إليه أنه قد جأش إلينا الموت واستمددناه، فكتب إلينا إنه قد جاءني كتابكم تستمدونني وإني أدلكم على من هو أعز نصرا، وأحصن جندا، الله عز وجل فاستنصروه، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قد نصر في يوم بدر في أقل من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني. قال: فقاتلناهم فهزمناهم أربع فراسخ، قال: وأصبنا أموالا فتشاورنا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة. و (بدر) محلة بين مكة والمدينة تعرف ببئرها منسوبة إلى رجل حفرها يقال له: (بدر بن النارين) قال الشعبي: بدر بئر لرجل يسمى بدرا، وقوله: ﴿ فاتقوا الله لعلكم تشكرون ﴾ أي تقومون بطاعته.
3.124-129
اختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين: أحدهما: إن قوله: ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ متعلق بقوله:
ولقد نصركم الله ببدر
[آل عمران: 123] واختاره ابن جرير. قال عباد بن منصور عن الحسن في قوله: ﴿ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالف من الملائكة ﴾ ، قال: هذا يوم بدر. وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف، فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله في قصة بدر:
إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين
[الأنفال: 9] - إلى قوله -
إن الله عزيز حكيم
[الأنفال: 10]؟ فالجواب أن التنصيص على الألف ههنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله: ﴿ مردفين ﴾ بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم، وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم.
(القول الثاني): إن هذا الوعد متعلق بقوله:
وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال
[آل عمران: 121] وذلك يوم أحد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك، لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف لأن المسلمين فروا يومئذ. وقوله تعالى: ﴿ بلى إن تصبروا وتتقوا ﴾ يعني تصبروا على مصابرة عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري، وقوله تعالى: ﴿ ويأتوكم من فورهم هذا ﴾ ، قال الحسن وقتادة: أي من وجههم هذا، وقال مجاهد وعكرمة: أي من غضبهم هذا. وقال ابن عباس: من سفرهم هذا، ويقال: من غضبهم هذا، وقوله تعالى: ﴿ يمددكم ربكم بخمسة ءالف من الملائكة مسومين ﴾ أي معلمين بالسيما. عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكان سيماهم أيضا في نواصي خيولهم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الآية ﴿ مسومين ﴾ قال: بالعهن الأحمر، وقال ابن عباس رضي الله عنه: أتت الملائكة محمدا صلى الله عليه وسلم مسومين بالصوف فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف، وقال قتادة وعكرمة: ﴿ مسومين ﴾ أي بسيما القتال. وعن ابن عباس قال: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر، ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عددا ومددا لا يضربون. وقوله تعالى: ﴿ وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ﴾ أي وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييبا لقلوبكم وتطمينا، وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال:
ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض
[محمد: 4]، ولهذا قال ههنا: ﴿ وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ﴾ أي هو ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره والأحكام.