تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله تعالى: ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ أي لا يغفرها أحد سواه، وقوله: ﴿ ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ﴾ أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عز وجل عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة "

، ﴿ وهم يعلمون ﴾ أن من تاب تاب الله عليه وهذا كقوله تعالى:

ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده

[التوبة: 104]، وكقوله:

ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما

[النساء: 110] ونظائر هذا كثيرة جدا. ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: ﴿ أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم ﴾ أي جزاؤهم على هذه الصفات ﴿ مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي من أنواع المشروبات، ﴿ خالدين فيها ﴾ أي ماكثين فيها، ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ يمدح تعالى الجنة.

3.137-143

يقول تعالى مخاطبا عباده المؤمنين لما أصيبوا يوم أحد وقتل منهم سبعون: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ ، أي قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ ، ثم قال تعالى: ﴿ هذا بيان للناس ﴾ يعني القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم، ﴿ وهدى وموعظة ﴾ يعني القرآن فيه خبر ما قبلكم وهدى لقلوبكم وموعظة أي زاجر عن المحارم والمآثم، ثم قال تعالى مسليا للمؤمنين: ﴿ ولا تهنوا ﴾ أي لا تضعفوا بسبب ما جرى، ﴿ ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ أي العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون، ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ أي إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح، ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ أي نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ قال ابن عباس: في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء ﴿ ويتخذ منكم شهدآء ﴾ يعني يقتلون في سبيله ويبذلون مهجهم في مرضاته، ﴿ والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ﴾ أي يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب، وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به.

وقوله تعالى: ﴿ ويمحق الكافرين ﴾ أي فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، ثم قال تعالى: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ﴾ ، أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة:

أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا

[الآية: 214]. وقال تعالى:

الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون

[العنكبوت: 1-2] الآية، ولهذا قال ههنا: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ﴾ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء.

وقوله تعالى: ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ﴾ أي قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو، وتحترقون عليه وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف "

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢٧٥