تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال تعالى: ﴿ ليقطع طرفا من الذين كفروا ﴾ أي أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين، فقال: ﴿ ليقطع طرفا ﴾ أي ليهلك أمة ﴿ من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا ﴾ أي يرجعوا ﴿ خآئبين ﴾ ، أي لم يحصلوا على ما أملوا، ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له فقال تعالى: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ ، أي بل الأمر كله إلي، كما قال تعالى:

فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب

[الرعد: 40]، وقال:

ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء

[البقرة: 272]، وقال:

إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء

[القصص: 56]، وقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم. ثم ذكر بقية الأقسام فقال: ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة ﴿ أو يعذبهم ﴾ أي في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال: ﴿ فإنهم ظالمون ﴾ أي يستحقون ذلك، قال البخاري: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم حتى أنزل الله تعالى: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية. وقال البخاري أيضا، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعوا على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع وربما قال: إذا قال:

" سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف "

يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: " اللهم العن فلانا وفلانا " لأحياء من أحياء العرب حتى أنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية.

وقال الإمام أحمد: عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم عز وجل " فأنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ﴾.

وقال ابن جرير: عن قتادة قال: أصيب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول: " كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل؟ " فأنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ ولله ما في السموت وما في الأرض ﴾ الآية، أي الجميع ملك له، وأهلهما عبيد بين يديه، ﴿ يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ﴾ أي هو المتصرف فلا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿ والله غفور رحيم ﴾.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢٧٢