تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾. إلى قوله: ﴿ أولوا الألباب ﴾ فقال: " إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم "

وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الآية ومسلم في كتاب القدر من صحيحه وأبو داود في السنة من سننه ثلاثتهم عن القاسم بن محمد عن عائشة. رضي الله عنها قالت:

" تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ﴾ إلى قوله: ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " ".

وروى أحمد عن أبي أمامة

" عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ﴾. قال: " هم الخوارج " ، وفي قوله تعالى: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ قال: " هم الخوارج "

، وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم (غنائم حنين) فكأنهم رأوا - في عقولهم الفاسدة - أنه لم يعدل في القسمة ففاجأوه بهذه المقالة، فقال قائلهم وهو (ذو الخويصرة) - بقر الله خاصرته - إعدل فإنك لم تعدل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لقد خبت وخسرت. إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني "

! فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب في قتله، فقال:

" دعه فإنه يخرج من ضئضئىء هذا - أي من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم "

ثم كان ظهورهم أيام (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم انبعثت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله:

" " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة " ، قالوا: ومن يا رسول الله؟ قال: " من كان على ما أنا عليه وأصحابي "

أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.

وروى الحافظ أبو يعلى، عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر:

" إن في أمتي قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على غير تأويله ".

وقوله تعالى: ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ اختلف القراء في الوقف ههنا، فقيل على الجلالة كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء، فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به "

، وقال عبد الرزاق: كان ابن عباس يقرأ: ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون آمنا به ﴾ ، وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله، وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿ إن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴾ واختار ابن جرير هذا القول.

ومنهم من يقف على قوله تعالى: ﴿ والراسخون في العلم ﴾ وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله، وقال مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وكذا قال الربيع بن أنس. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: وما يعلم تأويله الذي أراد ما أراد إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد. فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضا فنفذت الحجة، وظهر به العذر وزاح به الباطل ودفع به الكفر، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢٢٤