وأغزى الرشيد عام 191 ه يزيد بن مخلد الهبيرى بلاد الروم في عشره آلاف، فأخذت عليه الروم المضيق فقتلوه في خمسين من أصحابه على مرحلتين من طرسوس، وانهزم الباقون. فولى الرشيد الصائفة الهرثمة بن أعين، وقام هو بنفسه فافتتح هرقلة [43] . وأرسل محمد بن يزيد بن مزيد الشيباتي أشهر قادته إلى طرسوس مرابطا [44] . فكانت جهود الرشيد قد تركت جرحا عميقا في جسد الدولة البيزنطية، وكانت مرابطة طرسوس وأهلها شجى في حلوق الروم، فلم تستطع بيزنطة أن تفيق منها في سهولة ويسر، يدل على هذا أنها لم تحاول استغلال أوضاع الدولة العباسية أثناء الفتة بين الأمين والمأمون [45] (193-194ه) . فمكن طرسوس وبقية الثغور من أن تحتفظ بمركزها، بل أن تقوم بدور فعال في الجهاد بنفسها. وظهر إلى جانب المجاهدين من أهلها المتطوعة الذين كان لهم أثر محمود في الجهاد إجمالا، وخاصة في الثغور، وكانوا يجعلون في جناحي الجيش النظامي، فتكون وظيفتهم الإحاطة بجناحي العدو، دون أن يختلطوا بالجند النظامي المدرب، أو أن يوكل إليهم أن يغيروا على العدو، قبل نشوب الحرب لإزعاجه في قواعده، وعرقلة تجمعاته، وتخريب مدخراته، وقطع مواصلاته، كما قد يوكل إليهم مهمة مطاردة العدو عند تقهقره.
وقد ظهر دور المتطوعة في الثغور جليا إبان ضعف الدولة الإسلامية، الداخلي، وعدم قدرة الخلفاء على تسيير الجيوش أثناء الفتن الداخلية. وكانت أعمالهم كما عبر عنها الذهبي: تسر قلب المسلم [46] .