تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنظم والصياغة عند ابن كمال هما الوعاء الذي يختزن التجربة الشعورية عند الأديب، فهما ليسا زينة عارضة تطرأ على المعنى الأصلي بقدر ما هما جسر لتحقيق الصورة الفنية الموحية، يقول ابن كمال/ س 95 أ/: "اعلم أن أساس البلاغة وقاعدة الفصاحة نظم الكلام، لا بمعنى ضم بعضها إلى بعض كيف جاء واتفق، بل بمعنى ترتيبها على حسب ترتيب المعاني في النفس، فهو إذا نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، ولهذا كان عند أرباب هذه الصناعة نظيرا للنسج والوشي والصياغة وما أشبه ذلك. مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض حتى يكون لوضع كل منها حيث وضع علة تقتضي كونه هناك وحتى لو وضع مكان غيره لم يصلح ".

وحتى يؤكد ما يذهب إليه يعمد إلى النقل عن عبد القاهر الجرجاني، فهما متفقان على أن عملية الصياغة إنما هي محصلة ما يحدثه السياق من صور وأحاسيس وفكر وصوت تكون في مجموعها الصورة الأدبية. يقول الجرجاني (الدلائل، ص 37- طبعة المنار) : "

…

فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في النطق، فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرا في نظم الألفاظ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ على نسقها، فباطل من الظن، ووهم يتخيل إلى من لا يوفي النظر حقه. وكيف تكون مفكرا في نظم الألفاظ وأنت لا تعقل لها أوصافا وأحوالا إذا عرفتها عرفت أن حقها أن تنظم على وجه كذا؟ ".

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةج ٣٣ · ص ١٨٩