ومن ضمن هذه المغالطات ، أن البنوك الإسلامية تدفع ربحا غير محدد ، بينما تدفع البنوك الأخرى ربحا محددا ، وهذه أضمن لمصلحة الفقير ، كما أنه يمكن اعتبار ما يدفعه البنك من ربا ، بمثابة نسبة ربح قياسا على المضاربة ، خاصة وأن البنك يدفعها عن رضا ورحابة صدر ، وإذا خسر البنك ، فيمكنه أن يلجأ للقضاء ، ويثبت خسارته ، وبالتالي فإنه يصبح غير ملزم بدفع نسبة الربح المنصوص عليها .
وأقول: إن مثل هذه الشبهات هي ترقيع لواقع اقتصادي بعيد عن الإسلام ، ورحم الله الإمام إبراهيم بن أدهم ، وهو القائل:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وإلا فإن هذا الواقع الربوي ، هو الذي كان موجودا قبل الإسلام ، وهو ربا النسيئة ، وكان يمكن لذلك المرابي أن يقول: إن الذي أخذ المال بالربا ، اشترى به إبلا وأرضا وتاجر فيه ، وليس بمحرم علي أن يعطيني نسبة مما ربحه ، وكثير من الذين يأخذون الربا قديما وحديثا ، إنما يأخذونه للاستثمار ، وقليل منهم الذي يأخذ للحاجة الماسة أو للضرورة .
ولا أدعي أن البنوك الإسلامية تمثل شرع الله الحنيف ، وبعيدة عن النقص في بعض جوانبها ، ولكن يمكن القول : إن التعامل الأساس المعلن لهذا البنك ، هو موافق لشرع الله ، أما أن البنك قد يستعمل هذه الأموال استعمالا فيه شبهة ، فالإثم على من كذب وغير ، أما صاحب المال فقد اتفق على أن يكون التعامل موافقا لشرع الله .
وبالتالي فإن تشويش بعض العلماء على البنوك الإسلامية ، إنما يصب في خدمة البنوك الربوية .
ولا أريد أن أذكر أسماء في هذا المقام ، ولكن أحيل إلى بعض المراجع لمن أحب الاستزادة والاستفادة .
15 - السلم والمحاقلة والمزابنة والمخابرة :
هناك بعض المسائل المتعلقة بالربا ، وهي أقرب إلى مسائل الفروع ، والتعرض لها يطيل البحث .
منها حكم السلم ، وبيع الحيوان بالحيوانين نسيئة ، وبيع اللحم بالحيوان انظر المغني 6 / 90، مسألة رقم713، نيل الأوطار5 / 313 شرح السنة 8 / 81- 86 . ، وكذلك أحكام المحاقلة والمزابنة والمخابرة وكثير
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 240)
من المعاملات التي يمكن أن تلحق بالربا ، وهي تحت باب البيوع ، وللعلماء فيها تفصيلات وخلاف ، فتراجع في كتب الفقه .
16 - في قوله تعالى : سورة الروم الآية 39 وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ .
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن هذه الآية في الرجل يهدي غيره هدية ، يرجو أن يثاب أفضل منها . فذلك الذي لا يربو عند الله ، ولا يؤجر صاحبه ، ولكن لا إثم عليه تفسير القرطبي 14 / 36 . .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي : صريح الآية فيمن يهب الهبة يطلب الزيادة من أموال الناس في المكافأة .
وقال المهلب تفسير القرطبي 14 / 37 : اختلف العلماء فيمن وهب وهبة يطلب ثوابها ، وقال: إنما أردت الثواب ، فقال مالك : ينظر فيه ، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له ، فله ذلك . مثل: هبة الفقير للغني ، وهبة الخادم لصاحبه ، وهبة الرجل لأميره ومن فوقه ، وهو أحد قولي الشافعي .
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 241)
وقال أبو حنيفة : لا يكون له ثواب إذا لم يشترط ، وهو قول الشافعي الآخر .
وأخرج مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيما رجل وهب هبة يرى أنها للثواب ، فهو على هبته حتى يرضى منها تفسير القرطبي 14 / 38. .
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة ، فإنه لا يرجع فيها ، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب ، فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها .
وترجم البخاري في صحيحه (باب المكافأة في الهبة) ، وساق حديث عائشة رضي الله عنها ، حيث قالت: صحيح البخاري الهبة وفضلها والتحريض عليها (2445),سنن الترمذي البر والصلة (1953),سنن أبو داود البيوع (3536),مسند أحمد بن حنبل (6/90). كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها .