تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الربا والتحايل عليه

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 120)

الربا والتحايل عليه

محمد بن صالح العثيمين

عنيزة

الجامع الكبير

الخطبة الأولى

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى واحذروا أسباب سخطه وعقابه واحذروا الربا فإنه من أسباب لعنة الله ومن الكبائر التي حذر الله عنها ورسوله قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنينفإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله [البقرة:278-279]. وقال النبي : ((الربا ثلاث وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه)) [رواه الحاكم وله شواهد].

وفي صحيح مسلم عن جابر قال: ((لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء يعني في الإثم)).

أيها المسلمون: إن الربا فساد في الدين والدنيا والآخرة، إنه فساد في المجتمع واستغلال مبني على الشح والطمع، ولكن المرابي قد زين له سوء عمله فرآه حسنا، فهو من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

أيها المسلمون: لقد بين النبي الربا وأين يكون وكيف يكون فقال : ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)) [رواه أحمد والبخاري].

فهذه هي الأصناف التي نص عليها رسول الله وألحق بها العلماء ما كان في معناه، بين النبي أن هذه الأصناف إذا بيع الشيء منها بجنسه فلا بد فيه من أمرين: الأول القبض من الطرفين في مجلس العقد، والثاني التساوي بأن لا يزاد أحدهما على الآخر، فإن اختل أحد الأمرين وقع المتعاقدان في الربا.

أيها الناس: إن من المعلوم أن أكثر الدول الآن لا تتعامل بالذهب والفضة وإنما تتعامل بالأنواط بدلا عن الدراهم والبدل له حكم المبدل، فيكون لهذه الأنواط حكم ما جعلت بدلا عنه من الذهب والفضة وإذا كان معلوما أنه لا يجوز أن يعطى الرجل مئة من هذه الأوراق بمائة وعشرة مثلا إلى أجل لأن هذا ربا صريح فإنه لا يجوز التحيل على ذلك بأي نوع كان من الحيل، ولكن الشيطان وهو عدو بني آدم فتح على كثير من الناس باب التحيل على محارم الله كما فتحها على اليهود وغيرهم، والحيلة على المحَّرم أن يتوصل الإنسان إلى المحرم بشيء صورته صورة المباح.

وقد حذر النبي أمته من التحيل على المحرمات فقال: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) وقال بعض السلف في المتحايلين أنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون، والحيلة على المحرم لا ترفع التحريم عنه وإنما هي فعل للمحرم مع زيادة المكر والخداع لله رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور والمتحايل على المحرم لا يقصد إلا المحرم فله ما نوى. قال النبي : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).

أيها المسلمون: إن للتحايل على الربا صورا كثيرة أكثرها شيوعا بيننا طريقة المداينة التي يستعمله كثير من الناس وهي أن يتفق الدائن والمدين أولا على المعاشرة يتفق معه على الدراهم يقول أريد عشرة آلاف ريال العشرة بعشرة ونصف مثلا ثم يذهب الدائن المدين إلى صاحب دكان عنده أموال مكدسة إما سكر أو ربطات خام أو غيرها فيشتريها الدائن شراء صوريا ليس له بها غرض سوى الوصول إلى بيع العشرة بعشرة ونصف، والدليل أنه شراء صوري أنه لا يكاسر بالثمن ولا يقلب السلعة ولا يفتشها كما يفعل المشتري حقيقة وربما كانت هذه الأموال أفسدها طول الزمن أو أكلتها الأرض لأنها لم تنقل ولم تقلب ولم تفتش وبعد هذا الشراء الصوري يبيع الدائن هذه السلع على المدين بما اتفقا عليه من الربح ثم يعود المدين فيبيعها على صاحب الدكان ويخرج بدراهم وهذا العمل بعينه هو ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيميه في كتاب أبطال التحليل من جملة صور الحيل حيث قال رحمه الله: وكذلك بلغني أن من الباعة من قد أعد بزا لتحليل الربا، فإذا جاء إلى من يريد أن يأخذ منه ألفا بألف ومائتين ذهبا إلى ذلك المحلل فاشترى منه المعطى ذلك البز ثم يعيده للآخذ ثم يعيده الآخذ إلى صاحبه وقد عرف الرجل بذلك بحيث أن هذا البز الذي يحلل به الربا لا يكاد يبيعه البيع البات انتهى.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٤٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٤٩٩