ونظر المفتي للمآل في فتواه سياسةٌ شرعية معتبرة حتى لو كان له اجتهاد آخر في أعيان المسائل . ملتمساً من إخوتي وأحبتي من طلبة العلم وأهله النظر والتأمل في هذا المطلب الملح في إصلاح الوضع المالي في الشركات المحلية . وقد فصلت هذا الأمر في بحثين سابقين في حكم الاكتتاب في شركة ينساب . وبالله التوفيق .
قاله وكتبه : د. يوسف بن عبدالله الأحمد
أستاذ الفقه المساعد بجامعة الإمام بالرياض .
ص ب 156616 الرياض 11778
هاتف وناسوخ 4307275/01
27/6/ 1427هـ
http://www.saaid.net/Doat/yusuf/28.htm
===============
المساهمة في الشركات
يحيى بن موسى الزهراني
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ولي الصالحين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الأمين ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الغر المحجلين ، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين . . . أما بعد :
فالله جل وعلا خلق العباد لعبادته سبحانه وحده لا شريك ، وأرسل لهم الرسل ، وأنزل لهم الكتب ، وحد لهم حدوداً لا يجوز لهم تعديها ، وخط لهم خطوطاً يحرم عليهم تجاوزها ، ونحن أمة الإسلام أرسل إلينا محمداً عبداً ورسولاً ، شفيقاً عطوفاً ، رءوفاً رحيماً ، وأنزل إلينا أفضل كتبه ، وأعظم كلماته ، القرآن الكريم ، فيه تبياناً لكل شيء ، فالحلال ما أحله الله ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله .
قال ابن القيم في مدارج السالكين : " أما الزهد في الشبهة : فهو ترك ما يشتبه على العبد: هل هو حلال أو حرام ؟ كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، يقول: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " الحَلالُ بَيِّنٌ، وَالحَرامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهما مُشَبَّهاتٌ لا يَعْلَمُها كثيرٌ منَ الناسِ. فمنِ اتَّقى المُشَبَّهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وعِرْضِه، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ: كراعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يُواقِعَه. ألا وإِنَّ لِكلِّ مَلكٍ حِمى، ألا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أرضِهِ مَحارِمُه. ألا وإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسَدُ كله، أَلا وهِيَ الْقَلْبُ " [ متفق عليه ] .
فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام ، وقد جعل الله عز وجل بين كل متباينين برزخاً ، كما جعل الموت وما بعده برزخاً بين الدنيا والآخرة ، وجعل المعاصي برزخاً بين الإيمان والكفر ، وجعل الأعراف برزخاً بين الجنة والنار ، وكذلك جعل بين كل مشعرين من مشاعر المناسك برزخاً ـ حاجزاً ـ بينهما ، ليس من هذا ولا هذا ، فمحسر برزخ بين منى ومزدلفة ، ليس من واحد منهما ، فلا يبيت به الحاج ليلة جمع ، ولا ليالي منى ، وبطن عرنة برزخ بين عرفة وبين الحرم ، فليس من الحرم ، ولا من عرفة ، وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار ، ليس من الليل لتصرمه بطلوع الفجر ، ولا من النهار لأنه من طلوع الشمس ، وإن دخل في اسم اليوم شرعاً.
وكذلك منازل السير: بين كل منزلتين برزخ يعرفه السائر في تلك المنازل ، وكثير من الأحوال والواردات تكون برازخ ، فيظنها صاحبها غاية ، وهذا لم يتخلص منه إلا فقهاء الطريق ، والعلماء هم الأدلة فيها " انتهى .
واليوم ولكثرة وسائل الدعوة إلى الله ، أصبحت لا ترى إلا قليلاً من الناس ممن يجهل أهم الحوادث ، وبعض أحكام النوازل ، فإذا ما نزلت نازلة ، بحث الناس عن حكمها بسؤال أهل العلم عنها ، ألا وإن أعظم النوازل اليوم [ مساهمات البنوك ] ، بيع الأسهم وشراؤها وتداولها ، والتي كثر الجدل حولها وعنها .
فقد كثر السؤال عنها ، حتى إن كثيراً من الناس لا يسأل عنها إلا من يرخص في جواز التعامل والاكتتاب فيها ، وأما من عُرف عنه من أهل العلم تغليب جانب الحرام على جانب الإباحة ، فهذا لا يسأله الناس إلا إذا كانت لهم حقوقاً عند الآخرين ، أما إذا كانت لهم المصلحة عند الآخرين فلا يسألون عن الحكم ، وهذا أمر معلوم اليوم .