تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

علة الربا في النقدين

مجلة البحوث الإسلامية - (ج 1 / ص 216)

علة الربا في النقدين

نظرا إلى أن الأوراق النقدية أصبحت تلقى قبولا عاما في دنيا المعاوضات كوسيط للتبادل ، وأنها بذلك حلت محل الذهب والفضة في الثمنية وحيث إن السنة النبوية نصت على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة ، ونظرا إلى أن أهل العلم اختلفوا في تعيين علة لجريان الربا فيهما .

نظرا إلى ذلك كله كان من المناسب أن يشتمل هذا البحث على بيان أقوال أهل العلم في علة الربا في النقدين ونقاش ما استند إليه كل قول مما يقبل النقاش .

لقد اختلف العلماء في تعليل تحريم الربا في النقدين الذهب والفضة ، فمن نفى التعليل أو تعذر عليه إقامة دليل يرضاه لإثبات علة التحريم : قصر العلة فيهما مطلقا سواء كان تبرا أو مسكوكين أو مصنوعين وهذا مذهب أهل الظاهر ونفاة القياس ، وابن عقيل من الحنابلة حيث إنه يرى العلة فيهما ضعيفة لا يقاس عليها ، فلا ربا عند هؤلاء في الفلوس ولا في الأوراق النقدية ولا في غيرها مما يعد نقدا ، وتحريم الربا فيهما عندهم تعبدي ، وأما غيرهم فقد استنبط مناطا تنضبط به قاعدة ما يجري فيه الربا إلا أنهم اختلفوا في تخريج المناط ويمكن حصر آرائهم في ثلاثة أقوال .

* * *

الأول :

يتلخص القول الأول في أن علة الربا في النقدين الوزن لقوله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن (1) . ولقوله : « الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل » (2) وقوله : « ما وزن مثلا بمثل » وقوله : « بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا ، » (3) وقال في الميزان مثل ذلك (4) فجعل ضابط ما يجري فيه الربا وتجب فيه المماثلة الوزن في الموزونات ، وطرد أصحاب هذا القول القاعدة في جريان الربا في كل ما يوزن كالحديد والنحاس والرصاص والصفر والصوف والقطن والكتان ، وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي ، ويمكن أن يورد على هذا القول ما يلي :

أ - الوزن وصف طردي محض لا مناسبة فيه (5) .

ب - العلماء متفقون على جواز إسلام النقدين في الموزنات وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل وفي جواز ذلك نقد للعلة (6) .

جـ - أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على ما يوزن ، بل هي متعدية إلى غيره مما يعد ثمنا ولا يتعامل به وزنا كالفلوس والورق النقدي فإن الظلم المراعى إبعاده في تحريم الربا في النقدين واقع في التعامل بالورق النقدي وبشكل واضح في غالبه تتضاءل معه صورة الظلم الواقع في التعامل بالذهب والفضة متفاضلا في الجنس أو نسيئة في الجنسين نظرا لارتفاع القيمة الثمنية في بعضها كفئات المائة ريال والألف دولار .

* * *

الثاني

ويتلخص هذا القول في أن علة الربا في النقدين غلبت الثمنية ، وهذا القول هو المشهور عن الإمامين مالك والشافعي ، فالعلة عندهما قاصرة على الذهب والفضة ، والقول بغلبة الثمنية احتراز عن الفلوس إذا راجت رواج النقدين ، فالثمنية طارئة عليها فلا ربا فيها ، ويمكن أن يورد على هذا الرأي ما يلي : -

(1) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي .

(2) صحيح البخاري البيوع (2067),صحيح مسلم المساقاة (1584),سنن الترمذي البيوع (1241),سنن النسائي البيوع (4570),موطأ مالك البيوع (1324).

(3) صحيح البخاري البيوع (2089),صحيح مسلم المساقاة (1593),سنن النسائي البيوع (4553),موطأ مالك البيوع (1314).

(4) صحيح البخاري .

(5) انظر الجزء الثاني ص 137 من إعلام الموقعين .

(6) انظر الجزء الرابع من المغني ص 4 وانظر الجزء التاسع والعشرين ص 471 من مجموع فتاوى شيخ الإسلام، وانظر الجزء الثاني ص 137 من إعلام الموقعين .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٦٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٦٢١