===============
الربا: صوره، أقسام الناس فيه
مجلة البيان - (ج 2 / ص 28)
الربا .. صوره - أقسام الناس فيه
بقلم فضيلة الشيخ / محمد بن صالح العثيمين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلم تسليماً ، وبعد..
فإن الله تعالى إنما خلق الجن والإنس وأودع فيهم العقول والإدراك وبعث فيهم الرسل وبث فيهم النذر ليقوموا بعبادته والتذلل له بالطاعة مقدمين أمره وأمر رسله على ما تهواه أنفسهم ، فإن ذلك هو حقيقة العبادة ومقتضى الإيمان ، كما قال الله تعالى : (( ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً)) [الأحزاب: 36].
فلا خيار للمؤمن -إن كان مؤمناً حقاً - في أمر قضاه الله ورسوله ، وليس أمامه إلا الرضا به ، والتسليم التام سواء وافق هواه أم خالفه ، وإلا فليس بمؤمن ، كما قالي الله تعالى : ((فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65].
وقد أخبر الله تعالى أن العدول عن حكمه وعن اتباع رسوله أنه أضل الضلال فقال تعالى : ((فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ)) [القصص:50].
إذا تبين هذا فاعلم أن أوامر الله تعالى تنقسم إلى قسمين : قسم فيما يختص بمعاملته سبحانه ؛ كالطهارة والصلاة والصيام والحج ، وهذه لا يستريب أحد في التعبد لله تعالى بها . وقسم فيما يختص بمعاملة الخلق وهي المعاملات الجارية بينهم من بيع وشراء وإجارة ورهن وهبة ووصية ووقف وغيرها ، وكما أن تنفيذ أوامر الله تعالى والتزام شريعته في القسم الثاني أمر واجب ، إذ الكل من حكم الله تعالى على عباده ، فعلى المؤمن تنفيذ حكم الله والتزام شريعته في هذا وذاك .
ولقد شرع الله تعالى لعباده في معاملاتهم نظماً كاملة مبنية على العدل لا تساويها أي نظم أخرى ، بل كلما ابتعدت النظم أو ابتعد الناس عن العمل بنظم الشريعة كان ذلك أكثر الظلم ، وأوغل في الشر والفساد والفوضى .
وإن من الظلم في المعاملات واجتناب العدل والاستقامة فيها أن تكون مشتملة على الربا الذي حذر الله تعالى منه في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأجمع المسلمون على تحريمه .
قال الله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ * وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وأَن تصدقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * واتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ)) [البقرة:278-281].
وقال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * واتَّقُوا النَّارَ الَتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وأَطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) [آل عمران: 130-132].