==============
الربا والأدوات النقدية المعاصرة (1)
مجلة البيان - (ج 100 / ص 36)
دراسات اقتصادية
الربا والأدوات النقدية المعاصرة
(1)
د. محمد بن عبد الله الشباني
يمثل تعدد أنواع وأشكال الأدوات النقدية المستخدمة في سداد الالتزامات المالية أهم المتغيرات في المجتمع المعاصر فيما يتعلق بموضوع التبادل النقدي، بجانب اتساع نطاق الاتجار بالعملات الورقية، التي تمثل الأداة النقدية ذات الإلزام النظامي في سداد الالتزامات الناشئة عن التبادل السلعي والخدمي في المجتمع.
إن دراسة ظاهرة استخدام الأدوات النقدية المتعددة في سداد الالتزامات الناشئة عن ممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة (مثل: الشيكات، وبطاقات الائتمان المختلفة) كأدوات تحل محل النقود المعدنية أو الورقية، يرجع إلى ما يكتنف هذه الأساليب من تساؤلات عن مدى شرعية هذه الأدوات من ناحية، ومواطن الربا التي يمكن أن توجد نتيجة لاستخدام هذه المستجدات من وسائل سداد الالتزامات من خلال الوحدات المصرفية المختلفة من ناحية أخرى.
يرتبط فهم طبيعة هذه الأدوات ودورها في تحقيق أهم وظائف النقود بفهم النظرية النقدية، التي تهتم بربط النقود بالمتغيرات الاقتصادية.
إن فهم النظرية النقدية يستدعي تحديد ماهية النقود، وتكوينها، وأشكالها، وطبيعة العلاقات المرتبطة بتأديتها لوظائفها، وإبراز وجهة النظر الشرعية من خلال فهم ودراسة النصوص من القرآن والسنة، مع تحديد النظرة الشرعية لمفهوم النقد (بوصفه معياراً لتفسير التغيرات في أثمان السلع والخدمات) والأدوات المعاصرة المستخدمة في تحقيق وظيفة النقد الخاصة بتيسير التبادل السلعي والخدمي، ومواطن الحرمة عند استخدام هذه المستجدات من الأدوات.
وفي هذه المقالة سوف أحاول دراسة الجوانب الشرعية لهذه الأدوات ومواطن الربا جميعاً، مع محاولة إلقاء الضوء بشكل مختصر على ماهية النقود من وجهة النظر الإسلامية.
ماهية النقود:
تحاول الدراسات التاريخية للنظام النقدي الإجابة على السؤال التالي:
ماذا يُعنى بالنقود؟ وتأتي الإجابة على أنها: سلعة متميزة تمتاز من بين باقي السلع للقضاء على المقايضة، ولها وظائف تقليدية وأشكال معينة، وترتبط بهيئات اقتصادية محددة. (1)
لقد ترتب على النظرة المتعلقة بأن النقد ما هو إلا سلعة مختارة من بين السلع: حصر نطاق التحليل النقدي في الجانب العيني؛ فالظواهر الأساسية في الحياة الاقتصادية يمكن دراستها من خلال الجانب العيني (سلع وخدمات)، أما النقود فهي مجرد غطاء خارجي للأشياء، يجب معرفة ما وراءه، فقيمة المنتجات لا تجد مقياسها في الأسعار النقدية، وإنما في علاقات المبادلة بين السلع في الأسعار النسبية بينها، وإن ما يتخذ مظهراً نقديّاً ما هو في الحقيقة إلا عملية توفيق بين عناصر الإنتاج من: رأس مال، وعمل، ومعرفة فنية، وموارد طبيعية، وأجر نقدي.
أما الادخار: فهو يمثل الجزء الحقيقي من السلع التي لم تستهلك خلال فترة معينة، أما أهمية الاستثمار: فلا تعود إلى رأس المال النقدي، وإنما في تحوله إلى رأس مال طبيعي، أي: إلى أجهزة وآلات ومبانٍ، فالقاعدة العامة إذن هي: أن حقيقة الظواهر الاقتصادية ما هي إلا ظواهر عينية، وما النقود إلا أداة فنية ليس لها من وظيفة سوى تسهيل عمليات المبادلة والتراكم الرأسمالي في اقتصاد مبادلة الإنتاج.
إن هذا الاتجاه التحليلي لماهية النقود، لم يكن حدثاً عارضاً بقدر ما كان نتاج مجموعة من الظروف التاريخية والفكرية المصاحبة للتغيرات التي حدثت في الاقتصاديات الأوروبية خلال فترة تراجع الأمة الإسلامية، ودخولها في فترة الاضمحلال والجمود والانفصام ما بين معطيات ومبادئ الشريعة الإسلامية والركود الذي أصاب مختلف أوجه الحياة في الأمة الإسلامية، أما بالنسبة للاقتصاديات الأوروبية، فقد تميزت بتعدد الاضطرابات النقدية والتجارب في تطوير العمل المصرفي، مع تغير وتبدل الظروف التاريخية، التي أدت إلى تفسير الكثير من العلاقات النقدية غير المتوازنة والمرتبطة بالإنتاج والأسعار، وفي مواجهة هذا الاتجاه (الاتجاه العيني) برز اتجاه فكري مضاد له قائم على رفض تجريد الاقتصاد العيني من كل خصيصة نقدية؛ حيث يرى أن للنقود دوراً وأهمية في تفسير الظواهر العينية، مما أعطى للتحليل النقدي دوراً على حساب التحليل العيني.