ما يدخله الربا من صرف النقود
فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 9 / ص 70)
ما يدخله الربا من صرف النقود
المجيب أ.د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
المعاملات/ الصرف وبيع العملات/مسائل متفرقة
التاريخ 22/6/1424هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نود من فضيلتكم إيضاح هذه المسألة: سمعت من بعض الناس أن هناك بعض المعاملات في صرف النقود تدخل في الربا، أو إنها ربا صريح، فسأعطيكم هذا المثال لأوضح المقصود، مثلا رجل معه 500 ريال فذهب لشراء شماغ، فعندما اختار أحد الأنواع، قال له البائع إنه ليس لديه صرف، فذهب هذا الرجل إلى البقالة المجاورة لهذا المحل، فصرف ال500 ريال، فعند الصرف قال صاحب البقالة إني الآن معي 400 ريال، خذها واشتري الشماغ، وتعال إلي بعد نصف ساعة، حتى أعطيك المئة المتبقية.
أيها المسلمون، إن الله حرم الربا لما فيه من البلاء والفساد، قال تعالى: وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:279]، فسمى الله الربا ظلماً، نعم، إنه ظلم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إنه ظلم لمن تعامله فتأخذ منه أكثر مما تعطيه، إنه ظلم للإنسانية، ظلم للبشر. وأي ظلم أعظم من ظلم الربا؟! إنه يقسي القلب، إنه يقطع أسباب الخير وفعل الخير، إنه يسبب محق البركة، وذهاب الرزق، يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَوااْ [البقرة:276]، إنه ينشر الجريمة، ويكثِّر البطالة، ويجعل الأنانية في قلوب العباد، إنه ليس [بيعاً] ولكنه ظلم وعدوان، تتكون طبقة غنية إلى آخر الحدود، وطبقة فقيرة مدقعه، إن هذا الربا والتعامل به سبب لحلول العقوبات والمثلات، سبب لسخط الرب جل وعلا، وسبب لحصول الكساد والإفلاس والعياذ بالله. إن الله جل وعلا حرمه لما يعلم جل وعلا فيه من الفساد العظيم، وما توعد الله كبيرةً بعد الشرك ما توعد به آكل الربا، فإنه قال فيه ما قال: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]، وقال: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران:130-132].
أيها المسلمون، ليس الربا عملية اقتصادية؛ ولكنها عملية ظلم وامتصاص للأموال، وأكل لها بالباطل، وقضاء على معنويات الناس، وتحطيم لقيمهم ومعنوياتهم، وجعل الأمة تعيش كسلاً وخمولاً، تُبعدهم عن المكاسب النافعة، والمشاركات الناجحة، والمضاربات المفيدة، إلى أن تجعل تلك المعاملات إنما هي ربح على الناس بغير حق.
أيها المسلم، مالك مالُك، وقد خولك الله مالا وملَّكك إياه، ولكنه جل وعلا ينهاك أن تسخِّر هذا المال في سبيل ظلم البشرية، وإنما يرشدك إلى أن يكون هذا المال مالاً نافعاً، ينفعك وينفع غيرك.
أيها المسلمون، إن الله يقول: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:278، 279]، وقال: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ، وأخبر أن الربا ممحوق البركة: يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَوااْ وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276]، ورسول الله يلعن آكل الربا، ويلعن موكل الربا، ويلعن كاتب الربا، ويلعن الشاهدين على عقود الربا، كل أولئك ملعونون على لسان محمد (2)[2].