رسالة إلى التاجر المسلم
فؤاد بن عبد العزيز الشلهوب
إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فمن نعم الله على عباده أن أحل لهم البيع وأباحه لهم، وحرم عليهم الربا . ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة275] . وفي البيع تحصيل لمنافع عظيمة يحتاجها الناس في حياتهم، لأن الناس لا بد وأن تتعلق نفوسهم بما في يد الغير، فكان البيع هو الوسيلة التي أباحها الله لعباده لكي يصلوا إلى ما يريدون، وهو بذل الثمن لتملك المثمن .
وحديثنا هنا نخص به التاجر المسلم: الذي اختار البيع والشراء وسيلة لكسب المال، وأنعم بها من وسيلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم اشتغل بالتجارة مدة من الزمن، وكثيرٌ من الصحابة كانوا تجاراً كأبي بكرٍ الصديق وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم . ولم تكن تلك التجارة مانعة لهم من إقامة شعائر الله أو التفريط فيها، بل بذلوها رخيصة لدين الله وفي سبيله، فلم تكن الدنيا قطٌ في قلوبهم بل كانت في أيديهم، ولا أدل على ذلك إلا فعل أبي بكر -رضي الله عنه- عندما جاء بكل ماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم متصدقاً به يرجو الثواب من الله عز وجل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله[رواه أبو داود: 1678] . وكذا عثمان-رضي الله عنه- له في هذا قصص مشهورة ومن أعظمها بذل كثير من ماله لتجهيز جيش العسرة، حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم . مرتين ) [رواه الترمذي وقال: حسن غريب من هذا الوجه] .
أخي التاجر المسلم: لما أُخاطبك بالتاجر المسلم، أعني أنك لست كالتاجر الكافر همه كيف الحصول على المال بأي وسيلة كانت، وكيف يخراج المال من جيوب الناس … ولما أُخاطبك بالتاجر المسلم فإنني أخاطب فيك إسلامك وإيمانك، لأن الشواهد والتجارب أكدت على أن من لم يكن عنده دين، لا يتوانى عن ركوب كل طريق حتى يحصل على المال، مهما كانت الوسيلة وهل هي مشروعة أو غير مشروعة، وهل هي مفسدة للقيم والأخلاق أو غير مفسدة، المهم عنده الحصول على المال بأي ثمن .
ولذا فإنه نوجه لإخواننا التجار نصيحة نرجو أن تنير لهم الطريق، وتقوم المعوج، وترشد الضال إلى سواء السبيل . فأقول مستعيناً بالله :
- أيها التاجر المسلم عليك بالنصيحة للمسلمين: وعدم غشهم، ومن صور النصيحة التي تبذلها للناس: الربح المعقول الذي لا يشق على المشتري، وإخباره عن جودة السلعة وعدم المبالغة فيها ، وعدم كتمان عيوبها . فإن كتمان العيب في السلعة غشٌ لا يرضي الله عز وجل، وهو ممحق لبركة البيع، نازع لها : قال صلى الله عليه وسلم : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما ) [رواه البخاري:2110، ومسلم:1532] .
- وقم بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فإنها من أعظم القرب، وليكن أمرك ونهيك ودعوتك بالحسنى وبالقول الحسن، وعليك بلين الكلام فإنه طريق لفتح قلوب الأبواب المغلقة . وطرق الدعوة كثيرة، كالتذكير بالله لمن يأتيك في متجرك، أو توزيع الكتب والأشرطة … إلخ .
- وعليك بصدق الحديث، وحسن المعاملة: فإن من اتقى الله، وصدق الناس، وأحسن إليهم نال رضا الله، وجعله الله محبوباً إلى الخلق، ورزقه من حيث لا يحتسب .
- وأقلِ الناس إن هم اشتروا من عندك سلعة ثم ندموا : فإن كثير من الناس قد يشترون شيئاً ثم يندمون عليه، ويتحسرون ، ويتمنون أنهم لم يشتروه، فإن جاءوك ليردوا ما أخذوه وكان سليماً، فاعذرهم واردد لهم أموالهم، ولا تجبرهم على الشراء مما عندك فقد لا يريدونه، ولا يغلبنك حب الدنيا على نفع الناس؛ والحق أنك تنفع نفسك . قال صلى الله عليه وسلم : ( من أقال مسلما أقاله الله عثرته ) [رواه أبو داود:3460] .