13 - الربا في دار الحرب :
ذهب الحنفية خلافا لأبي يوسف ، إلى جواز أخذ الربا من الكفار في دار الحرب؛ لأن مال الحربي مباح بغير عقد .
واحتجوا لرأيهم بما روي عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ربا بين المسلمين وبين أهل دار الحرب .
وهذا الحديث وإن كان مرسلا ، إلا أن مكحولا فقيه ثقة ، والمرسل منه مقبول المبسوط للسرخسي 14 / 56 حاشية ابن عابدين 5 / 186. .
كما استدلوا بما جاء في تفسير قوله تعالى: سورة الروم الآية 1 الم سورة الروم الآية 2 غُلِبَتِ الرُّومُ سورة الروم الآية 3 فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ، فقد ورد أن أبا بكر رضي الله عنه خاطر المشركين على غلب الروم لفارس ، كما أخبرت الآية الكريمة ، فأجاز عليه الصلاة والسلام لأبي بكر أن يأخذ خطره ، وهو القمار بعينه ، بين أبي بكر ومشركي مكة ،
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 235)
وكانت مكة دار شرك .
ويرد جمهور العلماء على هذا الدليل ، بأن ذلك كان قبل تحريم المخاطرة والمقامرة ، وبعد أن تحقق نصر الروم ، وأخذ أبو بكر رضي الله عنه ما خاطر عليه ، تصدق به .
وذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة شرح فتح القدير 7 / 38 ، الربا والقروض ص 95 . ، ومعهم أبو يوسف من الحنفية ، إلى تحريم الربا مطلقا ، بلا تفريق بين دار السلام ودار الحرب ، فما هو محرم في دار الإسلام ، فهو محرم في دار الحرب ، كالخمر والخنزير وسائر المحرمات .
وقالوا: إن حديث مكحول مرسل وضعيف ، فلا حجة فيه ، وهو محتمل للنهي ، فهو نفي في معنى النهي ، كما في قوله تعالى: سورة البقرة الآية 197 فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ .
وأما القول بأن أموال الحربي مباحة بلا عقد ، فلا نسلم هذه الدعوى ، إن دخلها مسلم بأمان ، وإن كان بغير أمان ، فالعلة منتقضة .
ولا يلزم من كون أموالهم تباح بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد المجموع للنووي، 9 / 392 .
كما أن وضع الأموال عند الكفار بدعوى جواز أخذ الربا منهم ، إنما يكون لهم عونا على قتال المسلمين ، ووضع اقتصاد المسلمين بأيدي أعدائهم . وقد وصل الحال ببعض هؤلاء الجامدين أن يفتوا بوضع الأموال في بنوك الكفار؛ لأن الربا في هذا الحال جائز ، وقال بعضهم: بل توضع في بنوك الكفار من غير ربا .
أما مجرد وضع الأموال في بنوك المسلمين ، فإن هذا ربا محرم ، وإن كان بغير فائدة ، فهو محرم عندهم كذلك ، لما فيه من الإعانة لهذه البنوك .
ولله الأمر من قبل ومن بعد ، فقد اختلطت العقول ، ولعبت بالرءوس الأهواء ، ومات العلم بموت العلماء ، واتخذ الناس من بعد ذلك رءوسا جهالا ، يفتون بغير علم ، فيضلون ويضلون .
14 - شبهات حول الربا:
يخوض بعض المتأخرين في شبهات حول الربا ، منها أن الاقتصاد العالمي قائم على البنوك والتعامل بالربا . ومنها أن عمل البنوك اليوم يشبه المضاربة ، فالبنك يجني أرباحا من هذه الودائع ، وهو يدفع نسبة من هذه الفوائد عن طواعية ورضا . وإذا وضعنا هذه
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 237)
الأموال في البنوك دون أخذ فائدة - أي الربا - فإننا نعين البنك بذلك ، وإذا أخذناها ، فيمكن أن نساعد منها المحتاجين ، ومعظم هذه الشبهات الدائرة يجمعها قول الكفار منذ ألف وأربعمائة عام ، فيما حكاه عنهم الله تعالى: سورة البقرة الآية 275 إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا فوجه المشابهة لمن أراد أن يتلاعب بشرع الله يمكن أن يوجد ، ولكن الله أحل البيع وحرم الربا .
ونقول: إن شيوع الباطل لا يجعله حقا ، وقد بدأت محاولات محدودة للتعامل البنكي ، قائمة على منهج البيع وتحريم الربا ، وهي داخلة تحت ما أطلق عليه البنوك الإسلامية . وهذه البنوك تحارب من بعض علماء المسلمين ، كما تحارب من البنوك الأخرى الربوية بدعاوى مختلفة .