الربا والأدوات النقدية المعاصرة (3)
مجلة البيان - (ج 103 / ص 28)
دراسات اقتصادية
الربا والأدوات النقدية المعاصرة
(3)
د.محمد بن عبدالله الشباني
في الحلقة السابقة من هذه الدراسة تمت مناقشة ماهية النقود في الإسلام، والمواطن الربوية في عمليات العملات الورقية، وفي هذه الحلقة سيتم مناقشة أدوات الدفع من غير النقود الورقية، ومواطن الربا في هذه الأدوات.
لقد تعددت أدوات الدفع المستخدمة في النظام النقدي المعاصر، كما تعددت أشكال الوسائل المستخدمة في دفع الالتزامات، وبخاصة بعد ثورة الاتصالات الإلكترونية، بحيث أصبح العالم مرتبط بعضه ببعض حيث تتم المبادلات التجارية، وسداد الالتزامات في وقت حدوث عمليات التبادل، مهما تباعدت الأقاليم وتعددت أمكنة السداد، فأصبح من الممكن استخدام بطاقات الصرف الإلكتروني لسداد الالتزامات في أي مكان في العالم.
أساليب سداد الالتزامات الجديدة:
لا بد من إلقاء الضوء على تلك الوسائل المستخدمة في سداد الالتزامات بدون استخدام النقود الورقية وتحديد مواطن الربا فيها، وتتمثل هذه الأدوات في الأشكال التالية:
الشيكات:
تنقسم الشيكات التي يتم تبادلها لسداد الالتزامات إلى نوعين:
النوع الأول: شيكات يصدرها الأفراد على البنوك التي يوجد لديها حسابات خاصة بهم ويتم الإيداع فيها، و (الشيك) بهذه الصفة هو أمر مكتوب وفق أوضاع شكلية استقر عليها الصرف، تتضمن أمراً صادراً من شخص (هو الساحب) إلى شخص آخر (هو المسحوب عليه ـ البنك): بأن يدفع لشخص ثالث أو لأمره أو لحامله (المستفيد) مبلغاً معيناً بمجرد الاطلاع(1)، والشيك إذا كان لأمر ساحبه فهو ورقة ثلاثية الأطراف، ويشبه عندئذ السّفْتَجَة (2) مع اختلاف بين السفتجة والشيك، من حيث: إن سحب الشيك بدون وجود رصيد للساحب لدى المسحوب عليه يفي به، يُعتبر جريمة يستحق عليها الساحب العقوبة، وهي عقوبة مقصورة على ساحب الشيك، والشيك بهذا الاعتبار: هو ورقة تجارية، والتكييف الفقهي للشيك يرتبط بأن الإيداع في البنك المسحوب عليه من الساحب ليس إيداعاً حقيقة، وإنما هو صورة من صور الإقراض يترتب عليها انتقال ملكية النقود إلى البنك المودع لديه، وبهذا يكون السحب على الحساب الجاري في البنك من قبيل تقاضي دين أو جزء منه، وهذا حق للمقرض: يباشره بنفسه إن شاء، أو بمن ينوب عنه؛ حيث يتم تظهير الشيك تظهيراً ناقلاً للملكية، أو تظهير توكيل، والذي يقصد منه تمكين المظهّر إليه من تحصيل قيمة الشيك لحساب المظهِر.
على ضوء ذلك: فإن الشيك يمثل نوعاً جديداً من أساليب سداد الالتزامات واعتباره صورة من صور وسائل إيجاد النقود الائتمانية من خلال توسيع نطاق نقل الأموال حسابيّاً بين مختلف الحسابات سواء في البنك الواحد أو فروعه أو بين مختلف البنوك الأخرى وفروعها.
الشيك ـ وفق أسلوب التعامل به الجاري عرفاً بوصفه أداة للتحويل على مدينه (البنك) بسداد ما عليه من التزام من وديعته التي لدى البنك ـ جائز شرعاً؛ على أساس القاعدة الشرعية: الأصل في الأمور الإباحة إلا ما جاء دليل بحرمتها، ولا يدخل الربا في الشيك نفسه بوصفه وسيلة من وسائل دفع الالتزامات المستحدثة، أي: إنها تقوم بدور النقود من حيث سداد الالتزام عند شراء سلعة من السلع... و إذا كانت السلعة ذهباً أو فضة مصنعة، فهل يجوز دفع قيمة هذه السلع المصنعة من الذهب أو الفضة بالشيك، بحكم أن أساس النقود الورقية مرتبط بالذهب من حيث ما يعرف بالتغطية عند إصدار النقود الورقية أو عملة ورقية أخرى مغطاة جزئيّاً أو كليّاً بالذهب، أو مربوطة سوقيّاً من حيث التأثير في قيمتها بالذهب مثل الدولار؟.
إن الشبه تثار على أساس أن الشيك حوالة على البنك، و بالتالي: فقدان شرط التقابض في المجلس، وعليه: فلا يجوز شراء الذهب أو الفضة؛ باعتبار أن هذين المعدنين هما أصل النقدين، وأن النقود الورقية أجناس، والذهب جنس، والفضة جنس، والعلة الجامعة بينهما هي الثمنية، وبالتالي: فلا بد من التقابض في مجلس العقد، وعليه: فلا يجوز استخدام الشيك بدلاً عن النقد عن شراء هذين المعدنين، أما الرأي الآخر: فيرى جواز ذلك؛ حيث إن الذهب والفضة المصنعة أو التبر لا يعتبرون نقوداً، وبالتالي: فقدوا شرط الثمنية، وإنما يعتبرون سلعة من السلع، يجوز شراؤها وسداد قيمتها بالشيك الذي يمثل وسيلة من وسائل الدفع باعتباره حوالة، حيث يجوز أن يحيل المدين على دائنه ـ وهو البنك الذي قام المحُيل بوضع نقود لديه ـ وديعة مسموحاً للبنك بالتصرف فيها، مع شرط إعادتها أو جزء منها حسب طلب المودع أو بموجب أمر منه، وهذا الرأي يقوم على ما يراه ابن القيم (رحمه الله): بأن النقود هي وسيلة لتقويم السلع، وأن الذهب أو الفضة ـ سواء أكانا حلية أو سبائك ـ هما سلع خرجت عن طبيعة النقود، وهو رأي سبقت الإشارة إليه في الحلقات الماضية، ونحن نميل إلى الأخذ به، وعليه: فلا بأس من سداد قيمة المصوغات والتبر والسبائك من الذهب أو الفضة بالشيكات التي يصدرها المشتري على البنك الذي أودع لديه ماله.