الربا .. حكمه وخطره
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 557)
الربا .. حكمه وخطره
عبد الله بن صالح القصير
الرياض
جامع الأمير متعب
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الناس: توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بطاعتكم له وكثرة ذكره تسعدوا، وأكثروا الصدقة في السر والعلانية ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، ولا يتطاولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم، ولا يلهينكم الأمل فكل ما هو آت قريب، وإنما البعيد ما ليس بآت، فلا تكونوا ممن خدعته العاجلة، وغرته الأمنية، واستهوته الخدعة، فركن إلى دار سريعة الزوال وشيكة الانتقال، بل خذوا الأهبة للنقلة، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، فإن كل امرئ على ما قدم قادم، وعلى ما خلّف نادم.
أيها الناس: كان نبيكم محمد كثيراً ما يذكر الربا في خطبه ومواعظه، محذرا منه، مبيناً خطره، منبهاً على عظم شأنه وسوء عاقبة أهله في العاجلة والآجلة؛ إقامة للحجة، وقطعاً للمعذرة، ونصحاً للعباد، وتذكيراً بسوء حال أَكلتِهِ يوم المعاد؛ فقد صح عنه أنه عدّ أكل الربا من السبع الموبقات - التي توبق أهلها في الإثم، ثم تغمسهم في النار - وقرنه بالشرك بالله والسحر. وصح عنه أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: ((هم في الإثم سواء)). واللعن من الرسول هو الدعاء بالطرد والإبعاد عن مظان الرحمة. فأي عاقل ناصح لنفسه يرضى لنفسه أن تحقق فيه دعوة النبي عليه باللعن؟! وصح عنه أنه رأى آكل الربا يسبح في نهر من دم كلما أراد الخروج منه رُمِيَ في فيه بحجر فأبعد.
وروي عنه أنه وقف يوما على الصيارفة فقال: ((أبشروا بالنار)). وروي أنه قال: ((أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمهاً: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم، والعاق لوالديه))، وروي عنه أنه قال: ((إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل)). وروي أنه قال: ((الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل ان ينكح الرجل أمه)). وكفى بذلكم - يا عباد الله - زجراً عن الربا، وتنبيهاً على فظاعة التعامل به، وتحذيراً من سوء منقلب آكله، فما أشنعه من معاملة! وما أشأمه من كسب! ولذا روي عنه أنه قال: ((شر المكاسب كسب الربا)).
أيها المسلمون: ولقد جاءت نصوص القرآن المجيد بوعيد أكلة الربا بضروب العقوبات وألوان الوعيد، وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قال تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم [سورة البقرة:275-276].
وقال تعالى: يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون [سورة البقرة:278-279].
وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين [سورة آل عمران:130-131].
فأخبر سبحانه أن أكلة الربا يقومون يوم القيامة من قبورهم مجانين - أو في هيئة المجانين - يصرعون ويخنقون، وكفى بذلك تنبيها على سوء حالهم يوم المعاد، وفضيحة لهم بين العباد على رؤوس الأشهاد. ولما كان أكلة الربا يحاربون الله ورسوله بهذه المعاملة الظالمة الآثمة آذنهم الله بحرب منه ومن رسوله، ومن حاربه الله ورسوله فهو مهزوم مغلوب، فأين المدَّكر؟؟ سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر [القمر:45-46].