فرؤوس الشياطين لم يشاهدها الناس ، ولكنهم يتصورونها بصورة بشعة منفرة .
وقالوا : إن الروايات الواردة في صرع الجن للإنسان لم يصح منها شيء ، وهذه المسألة من مسائل العقيدة ، ولا يصح الجزم فيها بناء على الأدلة الظنية .
وقالوا أيضا : إن هذه الآية شبيهة بقوله تعالى : سورة ص الآية 41 وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ .
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 206)
فالراجح عند أهل العلم أن مس الشيطان لأيوب - عليه السلام - إنما كان بطريق الوسوسة . ولم يكن ذلك المس من باب صرع الجن تفسير الألوسي 23 / 206 . .
ومما قاله القاضي أبو السعود في تفسيره : " وقيام المصروع وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان ، فيصرع ويخبط ، والخبط : الضرب بغير استواء ، كخبط العشواء ، وفي قوله : ( من المس ) قال : أي الجنون ، وهذا أيضا من زعماتهم ، أن الجني يمسه فيختلط عقله ، فلذلك يقال : جن الرجل " وفعل الرازي الجصاص في تفسيره مثل ذلك أحكام القرآن للجصاص 1 / 47 ، 48 . .
وهناك كتيب صغير عنوانه : ( بيني وبين الشيخ حامد الفقي ) حمل فيه مؤلفه أحمد شاكر بشدة على حامد الفقي ؛ لأنه نقل أقوال أهل العلم في عدم صحة صرع الجن للإنسان ، ونقل قول الشافعي :
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 207)
" من ادعى أنه يرى الجن ، ويستعين بهم ، فإنا نرد شهادته ، ونتهمه بالكذب " بيني وبين الشيخ حامد الفقي / أحمد شاكر . .
وذكر العلماء أن من ادعت الحمل من الجن ، وظهر حملها ، فلا يصدق قولها ، ويقام الحد عليها .
وقد مال صاحب المنار إلى هذا المذهب ، ونقل عن ابن عطية قوله في تفسير الآية : إن المراد من الآية تشبيه المرابي في الدنيا بالمتخبط المصروع ، كما يقال لمن يصرع بحركات مختلفة : قد جن . ثم قال : وهذا هو المتبادر ، ولكن ذهب الجمهور إلى خلافه ، وقالوا إن من علامة المرابين يوم القيامة أنهم يبعثون كالمصروعين ، ورووا ذلك عن ابن عباس وابن مسعود .
ثم قال : والمتبادر إلى جميع الأفهام ما قاله ابن عطية ؛ لأنه إذا ذكر القيام انصرف إلى النهوض المعهود في الأعمال ، ولا قرينة تدل على أن المراد به البعث ، وهذه الروايات لا يسلم منها شيء من قول في سنده ، وهي لم تنزل مع القرآن ، ولا جاء المرفوع منها مفسرا للآية تفسير المنار 3 / 80 . .
ثم ختم كلامه بأنه قد يكون المراد من الجن الأجسام الحية الخفية ، التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة ، وتسمى الميكروبات تفسير المنار 3 / 81 . .
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 208)
وأقول إن ما نقله محمد رشيد رضا عن ابن عطية ، حتى وإن سلمنا بأنه هو الراجح ، فإنه لا يتعارض مع رأي جمهور العلماء الذين ذكروا بأن هذا القيام يكون القيامة ؛ لأنه لا يمنع أن يكون حال هؤلاء المرابين في تخبطهم في الدنيا والآخرة ، فهم في الدنيا على هذا الحال ، وعند قيامهم يوم القيامة كذلك ، يكونون على نفس تلك الحال والصفة .
وكذلك ما نقله عن ابن عطية ، فإنه لا يتعارض مع القائلين بصرع الجن للإنسان .
أما قوله : بأن المراد بالجن الميكروب ، فهذا قول واضح التهافت ، ومن المآخذ المعدودة على صاحب تفسير المنار ، والتي تأثر فيها بصاحبه محمد عبده .
أما جمهور العلماء ، فقد ذهبوا إلى إمكانية صرع الجن للإنسان ، والتلبس به ، والتكلم على لسانه .
ومما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة مجموع الفتاوى 24 / 280 . :
" فمن كذب . بما هو موجود من الجن والشياطين والسحر ، وما يأتون به على اختلاف أنواعه ، كدعاء الكواكب ، وتخريج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية ، وما ينزل من الشياطين
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 209)