وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن العلة في ذلك هي الثمنية ، وقد أجمعوا على جواز ذلك في الموزونات من النحاس والحديد . فالدراهم والدنانير هي أثمان المبيعات ، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال ، فيجب أن يكون مضبوطا الربا والمعاملات في الإسلام ص 156 محمد رشيد رضا . .
3 - الخلاف في تحريم ربا الفضل :
ذهب عامة أهل العلم إلى تحريم ربا الفضل ، وأنه كحرمة ربا النسيئة ،
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 202)
ووردت روايات عن بعض الصحابة تفيد عدم وجود ربا الفضل ، وجعلوا الربا محصورا في ربا النسيئة المغني 4 / 1 . وكانوا يقولون : إنما الربا في النسيئة ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : لا ربا إلا في النسيئة .
وقد روي أن عبد الله بن عباس رجع عن رأيه ، عندما راجعه في ذلك أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - .
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 203)
وقال الشعبي : حدثني بضعة عشر نفرا من أصحاب ابن عباس - رضي الله عنهما - الخبر ، فالخبر أنه رجع عن فتواه فقال : الفضل حرام .
وقال جابر بن زيد - رضي الله عنه - : ما خرج ابن عباس - رضي الله عنهما - من الدنيا حتى رجع عن قوله في الصرف والمتعة المبسوط للسرخسي 14 / 6 ، 12 / 106 . .
وقال ابن قدامة في المغني : فإن لم يثبت رجوع ابن عباس ، فإجماع التابعين بعده يرفع قوله المغني مع الشرح الكبير 4 / 123 . .
وقد أنكر ابن حزم الظاهري رجوع ابن عباس عن قوله ، كما أنكر الإجماع على تحريم ربا الفضل ، وذكر أن فقهاء مكة من تلاميذ ابن عباس - رضي الله عنهما - كانوا يقولون بقوله المحلى لابن حزم 8 / 566 . .
ولكن عامة أهل العلم على تحريم ربا الفضل ، وربا القرض ، وربا النسيئة ، ولهم أدلة من ظاهر الكتاب والسنة والآثار .
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 204)
ولقد وفق الشنقيطي بين ما ذهب إليه جمهور العلماء ، وبين ما روي عن ابن عباس ، وأسامة بن زيد وغيرهما ، بأن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : صحيح مسلم المساقاة (1596),سنن النسائي البيوع (4580),سنن ابن ماجه التجارات (2257),مسند أحمد بن حنبل (5/209),سنن الدارمي البيوع (2580). لا ربا إلا في النسيئة ، إنما هو جواز الفضل في جنسين مختلفين ، واختار هذا الوجه البيهقي في السنن الكبرى .
وقال ابن حجر في فتح الباري : وقال الطبري : معنى حديث أسامة - لا ربا إلا في النسيئة - إذا اختلفت أنواع البيع والفضل فيه يدا بيد ربا ، جمعا بينه وبين حديث أبي سعيد الخدري فتح الباري 4 / 382 . .
4 - صرع الجن للإنسان : ذهب عامة المعتزلة وأبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية ، وفخر الدين الرازي ، والقفال من الشافعية ، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة ، إلى إنكار صرع الجن للإنسان ، وقالوا : إن الجن مخلوق ليس له سلطان على الإنس ، بل هو عالم مستقل بذاته وافقهم في ذلك محمد رشيد رضا تفسير المنار ، ومحمود شلتوت وبعض المعاصرين . ، وفسروا قوله تعالى : سورة البقرة الآية 275 لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ .
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 205)
بأن هذا ورد وفق ما كان يتداوله العرب في الجاهلية .
ومما قاله الزمخشري في تفسير الآية : وتخبط الشيطان من زعمات العرب ، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع ، والخبط الضرب على غير استواء ، فورد على ما كانوا يعتقدون ، والمس الجنون ، ورجل ممسوس ، وهذا أيضا من زعماتهم ، وأن الجني يمسه فيختلط عقله ، وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن ، وفي رؤيتهم للجن قصص وأخبار وعجائب تفسير الكشاف 1 / 399 . .
وقالوا إن ما جاء في الآية ، إنما كان وفقا لما يتداوله العرب ، وليس بتقرير وتأكيد لهذه الدعوى ، ويشبه هذا ما جاء في قوله تعالى : سورة الصافات الآية 65 طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ .