3 - إنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض ؛ لأن الربا إذا حرم طابت النفوس بقرض الدراهم واسترجاع مثله . ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان ، وهذا هو الجانب الأخلاقي .
4 - إن الغالب أن المقرض يكون غنيا والمستقرض يكون فقيرا ، فالقول بتجويز عقد الربا تمكين من يأخذ من الفقير الضعيف مالا زائدا وذلك غير جائز برحمة الرحيم وهذا هو الجانب الاجتماعي . ومعنى هذا أن الربا فيه اعتصار الضعيف لمصلحة القوي ونتيجته أن يزداد الغني غنى والفقير فقرا مما يفضي إلى تضخم طبقة من المجتمع على حساب طبقة
(الجزء رقم : 11، الصفحة رقم: 212)
أو طبقات أخرى مما يخلق الأحقاد والضغائن ويورث نار الصراع بين المجتمع بعضه ببعض ، ويؤدي إلى الثورات المتطرفة والمبادئ الهدامة ، كما أثبت التاريخ القريب خطر الربا والمرابين على السياسة والحكم والأمن المحلي والدول جميعا الحلال والحرام ص 263 . .
أنوع الربا وحكم كل نوع
الشح : خلة وضعة وهوان تزري بصاحبها وتجعله نشازا في مجتمعه ، يجمع المال ويشح بإنفاقه حتى على مصالح نفسه . وعلى العكس منه البذل بسخاء خاصة في وجوه البر والخير وإغاثة الملهوف وكل ما فيه مصلحة للمجموع . وعلى هذا الاعتبار جاء تحريم الربا والترغيب في البذل ابتغاء كريم الأجر ، ونزل القرآن والعرب تتعامل بالربا لتفكك مجتمعهم وانفصام عرى التآلف بينهم ، فعندما تنزل الحاجة بأحدهم أو يوصله الفقر بالرغام لا يجد من يسعفه أو يعينه في محنته أو ينقذه من ذل الحاجة إلا بنكبته بالزيادة على ما يقرضه ، والمفاضلة بين ما يقبضه ويعيده من مال ، وذلك هو الربا الذي جاء الإسلام بتحريمه ، وقد أوردنا من آي الكتاب العزيز والسنة المطهرة ما يكفي عن المزيد ، بقي أن نوضح نوعية الربا المحرم والذي كانت العرب تتعامل به ، جاء في كتاب "أحكام القرآن " قوله : الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد إذا كان متفاضلا من جنس واحد ، هذا كان المتعارف المشهور بينهم ، ولذلك قال تعالى : سورة الروم الآية 39 وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين لأنه لا عوض لها من جهة المقرض وقال تعالى : سورة آل عمران الآية 130 لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً إخبارا عن الحال التي خرج عليها الكلام من شرط الزيادة أضعافا مضاعفة ، فأبطل الله الربا الذي كانوا يتعاملون به وأبطل ضروبا من البياعات وسماها ربا ، فانتظم قوله تعالى : سورة البقرة الآية 275 وَحَرَّمَ الرِّبَا تحريم جميعها لشمول الاسم عليها من طريق الشرع ، ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرناه من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل (الجزء رقم : 11، الصفحة رقم: 213)
مع شرط الزيادة أحكام القرآن للجصاص , ص 552 . ا هـ .
وذكر صاحب تفسير آيات الأحكام أن الربا ينقسم إلى قسمين : ربا النسيئة ، وربا الفضل . فربا النسيئة : هو الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية لا يعرفون غيره وهو أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا . فإذا حل الأجل طولب المدين برأس المال كاملا فإن تعذر الأداء زادوا في الحق والأجل .
وربا الفضل : أن يباع من الحنطة بمنوين منها أو درهم بدرهمين أو دينار بدينارين أو رطل من العسل برطلين ، وقد كان ابن عباس لا يحرم إلا القسم الأول ، وكان يجوز ربا الفضل اعتمادا على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صحيح مسلم المساقاة (1596),سنن النسائي البيوع (4581),سنن ابن ماجه التجارات (2257),سنن الدارمي البيوع (2580). إنما الربا في النسيئة ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صحيح مسلم المساقاة (1588),سنن النسائي البيوع (4559),سنن ابن ماجه التجارات (2255),مسند أحمد بن حنبل (2/232). الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد وذكر الأصناف الستة كما رواه عبادة بن الصامت وغيره رجع عن قوله .