تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتولى ابن القيم (رحمه الله) في كتابه (إعلام الموقعين) إيضاح طبيعة النقود ودورها بشكل جلي، وبمنطق اقتصادي سليم، عند تحديد علة الربا بالنسبة للذهب والفضة باعتبار أنهما الوسيلتان المستخدمتان في التبادل، يقول: (...العلة فيهما (الدراهم والدنانير): الثمنية، وهذا: قول الشافعي، ومالك، وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح، بل الصواب... فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار، به يُعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة؛ وذلك لا يكون إلا بثمن تقوّم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوّم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخُلف ويشتد الضرر... فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير، مثل: أن يعطى صحاحاً ويأخذ مكسرة، أو خفافاً ويأخذ ثقالاً أكثر منها: لصارت متجراً، أو جر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد، فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعاً لأعيانها: فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات)(7).

من خلال هذه المناقشة التي أوردها ابن القيم (رحمه الله) يتضح دور النقود؛ حيث يجب أن يقتصر على أن تكون أداة لتحديد قيم الأشياء؛ وبالتالي: فلا يجوز أن تستخدم النقود سلعاً يتجر بها، وبهذا: فإن ما يتم من مضاربات في سوق العملات يجعل النقود سلعاً تُعد للربح، حيث نتج عن ذلك أضرار كبيرة كما هو مشاهد في الواقع المعاصر، فيما يتعلق بتذبذب أسعار العملات، واتجاه كثير من فوائض الأموال إلى الاتجار فيها بدلاًً من الاستثمار في المشروعات الإنتاجية.

على ضوء ما سبق يمكن القول: إن الشرع الإسلامي لا يشترط شكلاً معيناً، أو مادة معينة للأداة النقدية؛ فقد تكون مسكوكات ذهبية، أو فضية، أو نحاسية، أو أي نوع من المعادن، أو ورقية، وتعتبر نقوداً إذا توفرت فيها العناصر التي أشار إليها ابن القيم، وهي:

1- اعتبار النقد أداة للدفع ووسيلة للتبادل للسلع والمنافع.

2- اعتباره أداة لتقييم الأشياء ومعرفة أثمان المبيعات.

3- ثبات قيمة الوسيلة التي تستخدم لتقييم الأشياء وثبات معيارها، بحيث لا ترتفع ولا تنخفض.

4- عدم الاتجار بها، أي: عدم اعتبارها سلعة يتجر بها.

ووفقاً لهذه الضوابط: فإن النظرية النقدية كما توصل إليها ابن القيم تتفق في بعض جوانبها مع ما تم التوصل إليه في هذا العصر في ظل ما عرف بقاعدة النقد الورقية، حيث انفصلت القيمة الاقتصادية للنقود عن أي قيمة اقتصادية لأي سلعة مادية معينة، وبالتالي: فإن هذه القاعدة تتمثل في مجموعة الشروط والقيود التنظيمية التي تضعها الدول لإصدار النقود الورقية وما تطور من وسائل في التداول النقدي، وهو ما عرف بالنقود الائتمانية، ومن هذا يتضح: أن وجهه نظر ابن القيم تختلف عما هو متعارف عليه في العصر الحاضر؛ فابن القيم يرى عدم جواز الاتجار في النقود؛ بخلاف النظام النقدي المعاصر الذي يقوم على اعتبار النقود سلعة مثل باقي السلع لها قيمة ذاتية تتمثل في قيمة الزمن، الذي يقوم على فكرة الربا؛ حيث إن العلة في التذبذب في أسعار العملات في السوق المالية العالمية يعود فيما أظنه إلى نقص الضوابط الخاصة بالنقود حسب ما أشار إليها ابن القيم، ومنها منع الاتجار بالنقود.

على ضوء ما سبق من تحديد لمفهوم النقد عند ابن القيم وغيره من فقهاء المسلمين: فما هو الموقف تجاه النقود الورقية من حيث شرعيتها ومدى جريان الحكم الشرعي للذهب والفضة عليها، بعد أن أصبح التعامل بالذهب والفضة مستحيلاً؛ لاتساع وكبر حجم التبادل السلعي والخدمي بين أفراد المجتمع؟.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٥٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٥٣٨