إن الإجابة على هذا التساؤل ترتبط وفق ما سبق مناقشته بأن استخدام معدني الذهب والفضة وسيلةً للتبادل وإبراء الذمة، وارتباط علة الربا بالنسبة للذهب والفضة بالثمنية، وأن قيام الأوراق النقدية مقام الذهب والفضة يؤدي إلى سريان العلة عليها، وبالتالي: سريان الأحكام المترتبة على الذهب والفضة عليها، باعتبار أن العملات هي أجناس؛ حيث إن الذهب جنس والفضة جنس، وأن العلة الجامعة بين الذهب والفضة في أحكام الصرف هي الثمنية، وبالتالي: سريان هذه العلة على النقود الورقية لاعتبارين:
1- اجتماع طبيعة الجانب المادي من حيث إن المادة للعملات الورقية هي الورق، بينما الجامع للذهب والفضة مادة المعدن.
2- اجتماع علة الثمنية بعين الذهب والفضة، وهذا يسري على العملات الورقية المختلفة لمختلف الدول.
على ضوء هذا: تصبح العملات الورقية أجناس بتعدد جهات إصدارها، فالنقد الأمريكي مثلاً جنس، والنقد السعودي جنس... وهكذا، وقد أفتت هيئة كبار العلماء في السعودية بأن العملات الورقية أجناس(8).
حيث نص على جريان الربا بنوعيه (الفضل والنساء) في العملات الورقية، كما يجري الربا بنوعيه في النقود المسبوكة من الذهب والفضة وغيرها من المعادن كالفلوس، وقد أيد المجمع الفقهي الإسلامي هذه الفتوى(9).
على ضوء هذا: فإن عمليات الصرف الحاضر بين العملات المختلفة جائزة عند توفر شرطي الحلول والتقابض، أي: جواز شراء الدولار الأمريكي بسعر ثلاثة ريالات ونصف أو أكثر أو أقل، بشرط التقابض بسعر اليوم، استناداً إلى حديث ابن عمر الذي جاء فيه: (كنت أبيع الإبل بالبقيع؛ فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله: رويدك، أسألك: إنى أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله : لا بأس أن تأخذ بسعر يومها؛ ما لم تفترقا وبينكما شيء)(10) فالواضح من هذا الحديث: أن التصارف الجاري فيه تقابض بمظهره الشكلي على أساس الحق القائم بهيئة دنانير في الذمة بتسديده بما يساويه من دراهم بسعر ذلك اليوم.
وعليه: فما هو حكم التعامل العملي الذي يحدث في البنوك من حيث أسلوب التصارف؟، فمن المعروف أن عملية الصرف: إما أن تكون من خلال الصندوق، أو بالقيد على حساب العميل، وما يرتبط بذلك أيضاً من عملية البيع والشراء بالعملات من خلال أسواق العملات العالمية. فما هي مواطن الربا على ضوء هذا الواقع؟.
أما بالنسبة للدفع والأخذ من البنك مباشرة بتبادل عملة ورقية مقابل شراء عملة أخرى: فلا إشكال فيه من ناحية توافر شرط التقابض؛ حيث يسلم الراغب في الشراء النقود المحلية، ويتسلم العملة الأخرى، فهذا تقابض حال ومنجز، أما إذا كان دفع العملة من حساب الشخص في البنك نفسه بخصم قيمة العملة المشتراة من حساب المشتري لدى البنك، وحيث إن البنك يتعامل مع الحساب المفتوح لديه من قبل المشتري على أساس أنه وكيل له الحق بالدفع والإضافة عند ورود تعميد من صاحب الحساب، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يتوفر في هذا الأسلوب أساس التقابض؛ حيث إن البنك يتسلم ما يقابل قيمة العملة المشتراة من حسابه المودع لدى البنك، وهذا المال هو وديعة محفوظة لديه وهو مفوض بالتصرف فيها مع ضمانها للمودع.
المواطن الربوية في عمليات تبادل العملات الورقية :
أصبح التعامل بالعملات شراءً وبيعاً أسلوباً من أساليب الحصول على الأرباح، وبالتالي: ظهرت صناديق خاصة في البنوك تتولى التعامل بها في سوق العملات في أوروبا وأمريكا، وتحولت النقود إلى سلع يتم الاتجار بها، واعتبر الاتجار فيها من الأمور التي تزاولها بعض البنوك الإسلامية كوسيلة لتحقيق الأرباح لعملائها المودعين لديها بدلاً من أخذ الفائدة الربوية.