على ضوء ما سبق من إيضاح لفكرة تطور النظام النقدي وتحديد طبيعته وماهيته، يتضح لنا: أن النظام النقدي المعاصر مؤسس على النقود الورقية، التي تتمتع بصفتي القانونية والنهائية؛ لتساعدها وتكملها في تحقيق وظائفها وحجمها: النقود الائتمانية، وهما معاً يكونان الرصيد النقدي، أي: مجموع أوراق الدفع المتاحة لاقتصاد معين في فترة زمنية معينة.
وبهذا برزت قاعدة النقد الورقية، حيث انفصلت القيمة الاقتصادية للنقود عن أي قيمة اقتصادية لأي سلعة مادية معينة وبصفة خاصة: الذهب فقيمة النقود في قوتها الشرائية، أي: في قدرتها على التحول إلى سلع وخدمات، وبذلك تصبح النقود أداة الدفع في اللحظة الحالية وتمثيل للثروة في اللحظة المستقبلية.
إن قاعدة النقد الورقية لا تتجسد في مظهر مادي معين، وإنما هي تتمثل في مجموعة الشروط والقيود التنظيمية التي تضعها الدولة لإصدار النقود الورقية القانونية، وهذه القاعدة أدت إلى ظهور أدوات دفع متعددة ومتنوعة، وخاصة بعد ثورة الاتصالات، التي ساعدت على ظهور وسائل جديدة، يتم بموجبها سداد الالتزامات بدون استخدام النقود الورقية، مثل: (بطاقات الصرف)، و(بطاقات الائتمان)، و(الشيكات)؛ مما يستدعي دراسة هذه الأدوات من الناحية الشرعية، وتحديد مناط الربا فيها.
وللحديث صلة
1) الاقتصاد والنقد المصرفي، د. مصطفي رشدي شيحة، ص34.
2) المرجع السابق، ص70.
3) المرجع السابق، ص73،82.د.
4) المرجع السابق، ص83،88.د.
================
الربا والادوات النقدية المعاصرة (2)
مجلة البيان - (ج 101 / ص 34)
دراسات اقتصادية
الربا والأدوات النقدية المعاصرة
(2)
د. محمد بن عبدالله الشباني
في الحلقة الأولى من هذه الدراسة تمت مناقشة ماهية النقود ووظائفها، وطبيعة النظام النقدي والنقود الورقية. وفي هذه الحلقة: سوف تتم مناقشة ماهية النقود في الإسلام، والتخريج الفقهي الخاص بالعملات الورقية والمواطن الربوية فيها.
ماهية النقود في الإسلام :
يرتكز الأصل الشرعي فيما يتعلق بطبيعة النقود: على أساس أن النقد هو الأداة التي تقيّم بها الأشياء، وليس على أساس أن النقد سلعة بحد ذاتها، ولكنه أداة للتبادل، ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله (تعالى): ((وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ)) [يوسف: 20] ففي هذه الآية تفريق بين الثمن وبين أداة الثمن، وألحقت بالثمن صفة ملازمة له وهي التفسير؛ حيث وصف ثمن بيع يوسف (عليه السلام) بالبخس، أي: بالقلة، قاله مجاهد والشعبي(1). لقد أشارت الآية إلى أمرين: الأول: أن قيمة وثمن يوسف (عليه السلام) كان قليلاً لا يتفق مع حقيقة قيمته، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام ابن العربي في كتابه أحكام القرآن عند تفسيره لهذه الآية بقوله: (وقيل في (بخس) أنه بمعنى حرام، ولا وجه له، وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة؛ لأن إخوته إن كانوا باعوه، فلم يكن قصدهم ما يستفيدون من ثمنه، وإنما كان قصدهم ما يستفيدون من خلو وجه أبيهم عنه)(2).
الأمر الثاني: أن الإشارة إلى الدراهم بعد إيراد لفظ الثمن ما هو إلا إشعار بأنها أداة لتحديد القيمة، وبالتالي: يمكن أن تكون الأداة المستحدثة في الثمن تتفاوت وتتعقد أشكالها وأنواعها حسب ظروف الناس وطبيعة المجتمعات.
لقد فهم فقهاء المسلمين وعلماؤهم طبيعة النقد وعلاقته بالعمليات التبادلية، فقد أشار ابن قدامة في كتابه القيم (المغني) إلى حقيقة النقد وطبيعته عندما تحدث عن الزكاة، فقام بالتفرقة بين زكاة الزروع والثمار، وزكاة المعدن المستخرج من الأرض، وأشار إلى الفرق بينهما مع أن مصدرهما واحد، وهو الأرض، يقول (رحمه الله): (أما الزروع والثمار فهي نماء في نفسها، تتكامل عند إخراج الزكاة منها، فتؤخذ الزكاة منها حينئذ، ثم تعود في النقص لا في النماء، فلا تجب فيها زكاة ثانية؛ لعدم إرصادها للنماء، والخارج من المعدن مستفاد خارج من الأرض بمنزلة الزرع والثمر، إلا أنه إن كان من جنس الأثمان ففيه الزكاة عند كل حول؛ لأنه مظنة للنماء من حيث إن الأثمان قيم الأموال ورأس مال التجارات، وبهذا تحصل المضاربة والشركة؛ وهي مخلوقة لذلك: فكانت بأصلها وخلقتها كمال التجارة المعد لها)(3).
فقد ربط ابن قدامة بين قيم الأموال والأثمان، حيث يتم تحديد قيم الأموال من خلال تحديد الأثمان؛ ولهذا: عندما تحدث في (باب الربا والصرف) عرّف الصرف بأنه: بيع الأثمان بعضها ببعض(4)، وقد أوضح هذا المفهوم المتمثل في أن طبيعة النقد تتمثل في أنها الوسيلة لتحديد قيم مختلف الأشياء، حيث أكد ذلك عند مناقشة زكاة الذهب والفضة الصحيحة والمكسرة، حيث رأى جواز الإخراج عن الذهب والفضة الصحيحتين أكثر من المكسرة؛ معللاً ذلك بأن (الفرق بينهما (أي: الصحيحة والمكسرة): أن القصد من الأثمان القيمة لا غير، فإذا تساوى الواجب والمخرج في القيمة والقدر جاز، وسائر الأموال يقصد الانتفاع بعينها، فلا يلزم من التساوي في الأمرين الإجزاء؛ لجواز أن يفوت بعض المقصود)(5).
ويوافق ابنُ عابدين ابنَ قدامة في هذا المفهوم، حيث يقول: (رأينا الدراهم والدنانير ثمناً للأشياء، ولا تكون الأشياء ثمناً لها... فليست النقود مقصودة لذاتها، بل وسيلة إلى المقصود)(6).