2) النظام النقدي نظام اجتماعي لا يمكن فصله عن البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي يعمل فيها، فهي تعكس بالضرورة الاقتصاد الذي وجد لخدمتها، فالنظام النقدي في الاقتصاد الرأسمالي الربوي يختلف عن النظام النقدي في اقتصاد تقوم قيمه على الإسلام، فمثلاً: النظام النقدي الرأسمالي يقوم على الربا، فجميع أشكال المعاملات في هذا النظام تدور حول تلك الفائدة الربوية، أما النظام النقدي الإسلامي في حالة قيامه في مجتمع يلتزم بالنظام الاقتصادي الإسلامي: فلن يكون للفائدة الدور المؤثر والفاعل، بل سيحل مفهوم الربح والخسارة محل مفهوم الفائدة الربوية.
3) النظام النقدي نظام متغير حسب ما يحدث في النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي ينتمي إليه، فالنظام النقدي يمثل الشكل الخاص لتداول النقود في اقتصاد المبادلة، فمثلاً: التغيرات التي حدثت في النظام الاقتصادي الرأسمالي أثرت في تطور النظام النقدي؛ حيث مر هذا النظام من مرحلة قاعدة الذهب إلى مرحلة قاعدة النقد الورقية، ومرحلة الليبرالية النقدية إلى مرحلة التدخل النقدي، وهذا التغير كان نتيجة لطبيعة التوافق بين البيئة الاقتصادية والظواهر النقدية؛ بقصد المحافظة على الأهداف الرئيسة للنظام الرأسمالي.
النظام النقدي والنقود الورقية:
يقتضي فهم النظام النقدي المعاصر معرفة العلاقة ودراستها بين خاصية النظام النقدي (القاعدة النقدية) والنقود الورقية والائتمانية، وهذا يقتضي إلقاء الضوء على تطور هذه العلاقة في كلّ من النظامين الإنجليزي والفرنسي؛ باعتبار أن هذين النظامين يمثلان القوتين الرئيستين في النظام الرأسمالي؛ حيث كان لهما الريادة في ابتكار النظم النقدية وتطويرها في القرن التاسع عشر، ومنهما انتقلت هذه النظم إلى بقية اقتصاديات العالم.
لقد اعتبر النظامان وحدات النقد الذهبية نقوداً قانونية ونهائية، أي: إنها تمثل نقود القاعدة النقدية، فوحدة النقد أصبحت تساوي وزناً معيناً من الذهب، وهذا يعني: أن كمية معينة من هذا المعدن النفيس تعتبر مقياساً للقيم الاقتصادية في المجتمع، ووحدة الحساب لهذه القيم، وقد أدى التطور الاقتصادي واتساع نطاق التبادل إلى ظهور أدوات دفع أخرى، بعضها يتمتع بخاصية قوة الإبراء دون الخاصية النهائية، أي: القدرة على التحول إلى نقود أخرى (النقود الورقية)، و بعضها الآخر لا يتمتع بالقبول الإجباري ولا بالخاصية النهائية (النقود الائتمانية)، وإنما تستخدم في المعاملات على أساس القبول الاختياري وثقة الأفراد في المؤسسات التي تصدرها، ومن المعروف أن النقود الورقية نمت وتطورت من خلال تطور النظام النقدي الفرنسي، كما أن النقود الائتمانية نمت وتطورت من خلال تطور النظام النقدي الإنجليزي.
ومن خلال التجربة التاريخية للفترة من سنة 1797م حتى سنة 1818م توصل النظامان إلى جعل وحدة النقد تساوي وزناً معيناً من الذهب أو الفضة، وقصر حق الإصدار للنقود الورقية (المصرفية) على بنك فرنسا وبنك إنجلترا، وأصبح لهاتين المؤسستين الخيار بالنسبة لغطاء الإصدار، إما بضمان احتىاطي معدني (ذهب أو فضة) أو تغطية الإصدار بالائتمان الذي تمنحه، وبالتالي: تصبح النقود الورقية أداة ائتمان ووسيلة للإقراض والتمويل لقطاعات التجارة والمعاملات، فعندما يكون غطاء الإصدار متمثلاً في الائتمان: يتم اتباع أسلوب الخصم وإعادة الخصم باستخدام الأوراق التجارية، وبصفة خاصة (السند الإذني) و(الكمبيالات)، وبالتالي: فإن إصدار النقود الورقية من خلال الضمان يتم تغطيته بالكمبيالات المخصومة، بحيث يكون غطاءً لها بدون حاجة إلى زيادة الرصيد المعدني، والنتيجة: أنه يمكن أن يتجاوز حجم النقود المصدرة حجم غطاء الإصدار المعدني، وتحت نظام الإصدار الورقي بضمان الائتمان: فإن جملة النقود الورقية المعروضة في التداول كانت مغطاة جزئيّاً بالنقود المعدنية، أما الجزء الآخر فيكون مغطّى فعليّاً بالائتمان، كما أن النظام الإنجليزي اتبع طريقة فتح الاعتماد وأداتها النقود الائتمانية (الشيكات).