تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا ، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ : هُمْ سَوَاءٌ [ أخرجه البخاري ومسلم ] .

عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الرِبا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قلّ " [ أخرجه أحمد ] .

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ، قال : وقال : ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل " [ أخرجه أحمد ] .

فمن تأمل تلك النصوص الشرعية أدرك حقيقةً خطورة الربا ولو كان قليلاً على الأفراد والمجتمعات بل على الأمم ، لما فيه من تع لحدود الله تعالى ، ولاحتوائه على ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل ، ولما يحتويه من مماطلة ، ومحاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .

وربما كان هذا الضعف الذي تعانيه الأمة اليوم دليلا قاطعاً ودامغاً لآكلي الربا ، والمتعاملين به ، وكذا نرى اليوم إمساك السماء عن قطرها ، ومنع الأرض لبركتها .

مما يجعل المؤمن يراجع نفسه مائة مرة قبل أن يُقدم على أمر مباح فكيف بأمر المشتبه أو المحرم لهو أبعد عن ذلك .

واليوم أكل الناس كلهم الربا ، ومن لم يأكله أصابه من غباره ، وهذا أمر واضح لا يختلف فيه اثنين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فأي نصر نريد ، وأي عزة نروم ، وأي تقدم ننشد ، والناس ينساقون وراء القاصي والداني سعياً وراء الربا والعياذ بالله .

ولم يكن لهم أن يفعلوا ذلك ، لولا وجود الفتاوى التي أوقعت الناس في الحيرة والضيق ، والتي دعتهم إلى محاربة الله عز وجل عياناً بياناً .

فكل من العلماء وأهل الفتوى على ثغر ، فسدوا الثغور، ولا تفتحوا للناس أبواباً وسُتراً وحُجباً إلى نار جهنم ، بل اتقوا الله عز وجل ، واخشوه وراقبوه ، أغلقوا على الناس أبواب الحرام والمتشابه حتى لا يقعوا فيما حرم الله ، فالربا دمار للأمم ، خراب للديار ، هلاك للناس ، ذلة للعباد ، دناءة في الأخلاق ، استجلاب لمقت الله وعقابه ، سبب لتداعي الأعداء واعتدائهم ، والواقع خير شاهد ، وأعظم برهان ، نسأل الله العفو والعافية ، والتوبة الصادقة .

والقاعدة الفقهية تقول :

إذا اجتمع حاظر ومبيح ، قُدَّم الحاظر على المبيح احتياطاً وبراءة للذمة .

وهذه قاعدة مهمة جداً يجب أن يأخذ بها أهل الفتوى عن الأسهم ، فقد أوقعوا الناس في حيرة من أمر دينهم ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والله جل وعلا سائل المفتي يوم القيامة عن دليل تحليله لقليل الربا ، مع أن النصوص الشرعية جاءت بتحريم الربا دون تحديد أو بيان للكثرة أو القلة .

والناس اليوم لم يعودوا يتورعون عن أكل الربا والمساهمة في البنوك والمؤسسات والشركات صاحبة الأسهم ، ولا يخرجون قيمة الربا الموجود في أسهمهم ، وربما خفي ذلك عن بعض أهل الفتوى بجواز المساهمة في الشركات المختلطة ، ومعنى مختلطة : أي أن فيها نسبة من الربا ، والربا كما علمنا حرام كله ، لا فرق فيه بين قليل ولا كثير ، بل كلما زاد الربا زادت العقوبة والعذاب .

أقول : لم يعد هناك ورع أو زهد من قبل الناس في الأسهم الربوية ، بل يأتي أحدهم الشيطان ويسول له ويملي له حتى لا يبالي من أين أكل المال أمن حلال أم حرام ؟ وحتماً سينال المفتى قسطاً من العذاب ، لأنه هو الذي أفتى بجواز المساهمة في الشركات المختلطة مع إخراج نسبة الربا ، فأكل الناس الربا ورضوا به .

وهذا هو الواقع اليوم ، فأي إنسان يساهم لا تعنيه نسبة الحرام الموجودة ، بل القصد والغاية عدد الأسهم ومقدار الربح ، فهلا فطن لذلك أهل الفتوى ، وراجعوا أنفسهم قبل أن يوقعوا عن ربهم .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٤٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٤٢٢