عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " [ أخرجه النسائي وغيره ] .
فأمر الفتيا ليس بالأمر الهين أو السهل كما يظنه بعض المتعالمين اليوم ، بل هو توقيع عن الله عز وجل في أن هذا الأمر حلال أم حرام ، فما ظنكم بمفتٍ أفتى الناس بخلاف ما جاء به الشرع المطهر هوىً لنفسه أو مداهنة لحاكم أو اتباعاً للشيطان أو غير ذلك لينال شهرة واسعة في الدنيا ، ويم القيامة يُرد إلى أشد العذاب ؟
فأقول يجب على العلماء وأهل الفتوى أن يجتمعوا لإيجاد حل لأي نازلة قبل نزولها أو وقت نزولها ، وحتى بعد نزولها ، ومن ذلك الاجتماع لإصدار فتوى في حكم معين مختلف فيه لا يسوغ فيه الاختلاف ، ويكون فيه أدلة أحد الفريقين أقوى من أدلة الآخر ، فحبذا لو اجتمع أهل الفتوى وأصدروا حكماً واحداً لئلا يقع الناس في علمائهم ويتهمونهم اتهامات باطلة كانوا في منأى عنها ، فلوا درءوا عن أنفسهم الغيبة والسباب والشتائم ، وربما وصل الأمر إلى الطعن في علمهم وفتواهم ، واتهامهم بأنهم تبع لفلان أو فلان ، لا سيما في أمور الأسهم والسندات والمحافظ الاستثمارية التي وقع في حبائلها جل المسلمين اليوم في مشارق الأرض ومغاربها ، ما بين الجواز والتحريم .
فالله الله أيها العلماء بالمسلمين ، رفقاً رفقاً بهم فهم على بوابة من الهاوية والوقوع في الحرام والمشتبه ، والأمة بأسرها تنزلق في مزالق الأمم قبلها من ابتعاد عن الدين ، ورضاً بالدنيا وزينتها ، لقد ترك الناس الصلاة ، وهجروا بيوت الله ، لهثاً وراء الأسهم ، بل وصل الأمر إلى التماسك بالأيدي والخصام والسباب والضرب حتى نقل بعضهم إلى المستشفيات جراء حرب الأسهم الاستثمارية المشتبهة .
ولا يخفى أن الوقوع في المشتبه وقوع في الحرام ، فلو أفتيت شخصاً بجواز التعامل مع الشركة الفلانية ، وأن جزءاً ضئيلاً من رأس مالها فيه رباً ، أو كانت ممن يتعامل بالربا بجزء بسيط لا يتجاوز 10% من رأس مالها مثلاً أو أقل أو أكثر ، أو أنها تودع شيئاً بسيطاً من أموالها في بنوك ربوية ، إلى غير ذلك من تعاملات الربا ، إن أفتيت شخصاً بجواز التعامل مع تلك الشركة أو ذلك البنك ، أين تذهب من الله تعالى الذي حرم الربا قليله وكثيره ؟ من أين لك هذا العلم الذي أجاز لك الفتيا بجواز أكل قليل الربا ، والله تعالى يقول : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " ، وأين أنت من قول الله جل وعلا : " وأحل الله البيع وحرم الربا " ، وقول الله تعالى : " يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم " فهذه الأدلة وغيرها من كتاب الله تعالى تدل دلالة قاطعة على تحريم الربا قليله وكثيره سواء .
فالله عز وجل لم يفرق بين قليل الربا وكثيره ، بل كله سواء .
عقوبة الربا لا تخفى على مسلم ذو عقل وبصيرة ، فعقوبته من أشد العقوبات ، إن لم يكن الربا أشدها بعد الشرك بالله ، فآكل الربا ملعون وخائن ، والربا من الموبقات التي تقذف بصاحبها إلى النار والعياذ بالله ، عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنِبوا السَّبعَ الموبقات ، قالوا : يا رسولَ اللهِ ، وما هُنَّ ؟ قال : " الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقتْلُ النَّفسِ التي حَرَّمَ اللهُ إلاّ بالحقّ؛ وأكلُ الرِّبا ، وأكلُ مالِ اليَتيم، والتَّولِّي يوم الزَّحفِ، وقذفُ المُحصناتِ المؤمناتِ الغافِلاتِ " [ متفق عليه ] .