تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإني أُذكر كل مسلم ومسلمة بقول الله تعالى : " وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ? فسْـ?َلُو?ا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ " .

فيجب على العبد أن يحتاط لدينه ولا يسأل من يعتقد أنه يرخص للناس بسبب أو بدون سبب كمن يتجرأ على الفتيا مثلاً ، فهذا وإن أُفتي في مسألة وهو يعرف حقيقتها ولكنه خالف عالم آخر له شأنه في الفتوى وله صولته وجولته في العلم ، فلا يجوز له أن يأخذ بالرخصة لعلمه حرمة ما قد أُفتي به ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ ؟ فَقَالَ : " الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلْقِ ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ " [ أخرجه مسلم ] ، وقال ابن عمر رضي الله عنهما : " لا يبلغ العَبْدُ حقيقةَ التَّقْوى حتى يَدَعَ ما حاكَ في الصَّدْر " [ أخرجه البخاري ] .

فالله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، لذلك فهو سبحانه مُطلع على القلوب وما تخفيه وتضمره ، لأن السر عنده علانية ، ولهذا يجب على العبد أن يتحرى الفتوى من أهلها ، وإن وقع في الشبه فعليه أن يحذرها ، لأن الشبهة توقع في الحرام ، وأسهم الشركات كلها تدور حول الشُبَهِ ، فعلى العبد أن يتق الله تعالى ويحذر مواطن العذاب ، ومكامن العقاب ، فلا أشد وأعظم من أكل المال الحرام ، والإنسان مهما عاش في هذه الحياة الدنيا ، فهو لابد ميت ، ومنتقل إلى دار البرزخ التي فيها بداية النعيم والجحيم ، فالقبر أول منازل الآخرة ، فإن نجى منه صاحبه فما بعده أهون منه ، وإن هلك صاحبه فما بعده أشد منه والعياذ بالله ، وأكل المال الحرام من أشد الأخطار ، وأعظم الاغترار ، وأطم الشنار ، كيف لا وقد جاء في صحيح مسلم ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّباً ، وَإِنَّ اللّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ : ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [ المؤمنون 15 ] وَقَالَ : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [ البقرة 271 ] " ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلُ يُطِيلُ السَّفَرَ ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذالِك؟ " .

وهذا غيض من فيض ، وقليل من كثير من العذاب والنكال الذي يُلم بآكل المال الحرام .

فاتقوا الله أيها المسلمون ودعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم كما صح الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وأُذكر أهل الفتوى بقول الله عز وجل : " وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ? لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ? فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ? ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ " [ آل عمران 187] .

ولا أظن أن عالماً من علمائنا يشتري الحياة الدنيا بالآخرة ، معاذ الله أن يكون هذا ، ولكن ربما اختلط على بعضهم أموراً ، واشتبهوا في أخرى ، فأفتى بغير ما يوافق الشرع خطأً وزللاً ، فهذا مأجور كما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ، أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا أرَادَ أنْ يَبْعَثَه إلَى الْيَمَنِ قالَ : " كَيْفَ تَقْضِي إذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ ؟ قالَ : أقْضِي بِكِتَابِ الله. قالَ : فَإنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ الله ؟ قالَ : فَبِسُنَّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، قالَ : فَإنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وَلاَ فِي كِتَابِ الله ؟ قالَ : أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلو، فَضَرَب رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَدْرَهُ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لله الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ الله ، لِمَا يُرْضِي رَسُولَ الله " [ أخرجه أبو داود وغيره ] .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٤٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٤٢٠