أيها المسلمون : كل الناس يعلم حرمة الزنا ، ولقد جعل الله الربا أشد من الزنا ، قال صلى الله عليه وسلم : " درهم رباً يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية " [ أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط ، وصححه الألباني ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " الربا ثلاث وسبعون باباً ، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه " [ أخرجه الحاكم وصححه الألباني ] ، أعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن ، وسوء المحن ، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول ما سمعتم ، فما كان من صواب فمن الله ، وما كان من خطأ فأستغفر الله منه ، واستغفروه إنه كان للأوابين غفوراً .
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً حمداً ، والشكر له شكراً شكراً ، له الحمد كله ، وله الشكر كله ، وله الفضل كله ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، أهل هو أن يعبد ، وأهل هو أن يشكر ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا له عبد ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، صلوات ربي وسلامه عليه ، وعلى آله وصحبه ، ومن تبع سنته ، واهتدى بهداه . . . أما بعد :
فيا أيها المسلمون : لقد كثرت الدعايات للعمل بالربا ، وتعددت مجالاته ، وتنوعت أساليبه ، فعلى المسلم أن يخشى الله ويتقه ، ويعلم أنه موقوف بين يديه يوم القيامة ، فمن معاملات الربا المحرمة اليوم وأكثرها شيوعاً :
*** القرض بفائدة ، وصورة ذلك ، أن يقترض شخص من آخر أو مؤسسة أو بنك مالاً على أن يرده وزيادة ، فهذا هو عين الربا الذي أجمعت الأمة على تحريمه ، وجاءت النصوص الشرعية بمنعه والتحذير منه قال تعالى : " وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " .
*** ومن صور الربا المحرمة ، بيع العينة ، وصورة ذلك ، أن يبيع سلعة بثمن مؤجل على شخص ، ثم يشتريها منه بثمن حال أقل من الثمن المؤجل ، فهذه معاملة ربوية محرمة ، جُعلت السلعة فيها حيلة وستارة فقط ، يتحايلون على الله تعالى كما يتحايلون على الأطفال ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، قال صلى الله عليه وسلم : " لئن تركتم الجهاد ، وأخذتم أذناب البقر ، وتبايعتم بالعينة ، ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك عنكم ، حتى تتوبوا إلى الله ، وترجعوا على ما كنتم عليه " [ أخرجه أبو داود ] .
*** ربا الدين ، وصورته أن يبيع الرجل على آخر بيعاً إلى أجل مسمى ، فإذا جاء الأجل ، ولم يكن عند صاحبه قضاء ، زاد في الثمن وأخر عنه في الدفع إلى أجل مسمى آخر ، وهذه هو الربا أضعافاً مضاعفة ، وهو ربا الجاهلية الذي نهى الله عنه بقوله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله " .
*** ربا النسيئة ، وله صورة متعددة ، منها : أن يقرض شخصاً مبلغاً من المال على أن يرده وزيادة ، ومنها : بيع النقود بالنقود ، أو النقود بالذهب إلى أجل بزيادة ، أو بيع ذلك من غير تقابض في المجلس ، ولو لم يكن هناك زيادة ، فهذا عين الربا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، يداً بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، الآخذ والمعطي فيه سواء " [ أخرجه مسلم ] ، وفي رواية : " مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ، يداً بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " [ أخرجه مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " لا تبيعوا الذهب بالذهب ، إلا مثلاً بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض " [ متفق عليه ] ولا تفضلوا بعضها على بعض ، وقال صلى الله عليه وسلم في الأصناف الستة المذكورة : " ولا تبيعوا منها غائباً بناجز " [ متفق عليه ] ، وهذه الأنواع من الربا واقعة اليوم بكثرة جارفة ، وتكثر في المصارف ، وعند باعة الذهب والحلي ، وإذا اختلفت الأصناف حال البيع ، فيلزم أن تكون مقبوضة في الحال فقط ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم ، يداً بيد ، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم ، يداً بيد ، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم ، يداً بيد " [ أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود ] ، ولفظ أبي داود : " ولا بأس ببيع الذهب بالفضة ، والفضة أكثرها ، يداً بيد ، وأما نسيئة فلا ، ولا بأس ببيع البر بالشعير ، والشعير أكثرها ، يداً بيد ، وأما نسيئة فلا " .