تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

*** ومن صور الربا اليوم ، أن يُعجل الموظف استلام راتبه قبل نهاية الشهر مقابل فائدة مالية ، يسمونها عمولة البطاقة ، وفي حقيقتها زيادة مالية ربوية ، يرى الناس ظاهرها ، ويخفى عليهم باطنها ، وهي معاملة ملعون صاحبها وآكلها والمتعامل بها ، فاحذروا عباد الله من تلك الألاعيب المكشوفة ، التي يتحايلون بها على الناس ، ليدخل الربا في أموالهم ، فتمحق بركاتها ، وتزول خيراتها .

*** ومن صور الربا ، استبدال الذهب القديم بذهب جديد ، ودفع الفرق بينهما ، وهذا عين الربا ، والصحيح في ذلك ، أن يبع القديم ويقبض ثمنه ، ثم يشتري جديداً .

*** ومن وصر الربا ، أن يشتري ذهباً ديناً أو أقساطاً ، وهذا رباً لا يجوز التعامل به ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، يداً بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، الآخذ والمعطي فيه سواء " [ أخرجه مسلم ] ، فليحذر تجار العملات ، وتجار السبائك الذهبية ، ألا يبيعوا حاضراً بغائب ، فلابد من التقابض والاستلام والتسليم في مجلس العقد .

*** ومن صور الربا ، الإيداع بفائدة ، وصورته أن يضع ماله في أحد البنوك الربوية ، ويعطيه البنك فائدة جراء الانتفاع بالمبلغ ، وهذا حرام ، وفيه تعاون على الإثم والعدوان ، ومعصية الرحمن .

أيها المسلمون : لا ريب أن المسلمين أخوة ، يساعد بعضهم بعضاً ، ويعين أحدهم أخاه ، بشفاعة حسنة ، أو واسطة لا ظلم فيها ، أو غير ذلك من أوجه المنفعة ، فمن شفع لأخيه أو قضى له منفعة ، فلا يجوز له أن يأخذ مقابل ذلك أجراً ، ومن فعل فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا ، قال صلى الله عليه وسلم : " من شفع لرجل شفاعة فأهدى له عليها فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا " [ أخرجه أبو داود ] ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : " من شفع لرجل شفاعة فأهدى إليه هدية فهي سحت " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " كل قرض جر نفعاً فهر ربا " .

أمة الإسلام : ربما وقع المسلم في الربا وهو لا يعلم ، فمن كان كذلك ، وجب عليه رد الحقوق إلى أهلها ، وترك الربا فوراً ، لأنه من أسباب سخط الله ، ومن وقع في الربا مع بنك أو مصرف أو غيرها فإنه يرفع أمره للمحاكم الشرعية ، ليتبين الحق من الباطل ، ألا فاعلموا أيها الناس أن من وقع في الربا عارفاً أو جاهلاً ، فالعقد باطل ، لحديث بلال رضي الله عنه أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر جيد ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " من أين هذا ؟ " ، فقال : كان عندنا تمر رديء ، فبعت منه صاعين بصاع ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذا ربا فردوه ، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا " [ متفق عليه واللفظ لمسلم ] ، وهذا دليل واضح على بطلان العقد ولو تم التوقيع عليه ، والموافقة من قبل المتعاقدين ، فكل تلك الأمور لا تجيز العمل بالربا .

أمة الإسلام : لقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى ورضي عنهم أجمعين ، أبعد الناس عن الحرام ، بل وتركوا المباح ، خوفاً من الوقوع في الحرام ، عرفوا قدر الأموال ، وأمعنوا النظر في سبيلها ، وطرق الحصول عليها ، فكانوا لا يحصلونها إلا من طريق مباح ، ولا يصرفونها إلا في وجه له منفعة ، سلكوا في تحصيلها سبيل الورع ، وفي تصريفها سبيل الكرم والبذل المحمود ، كان لأبي بكر رضي الله عنه غلاماً ، فجاء يوماً بشيء ، فأكل منه أبو بكر رضي الله عنه ، فقال له الغلام : أتدري ما هذا ؟ لقد كان ثمناً للكهانة ، فأدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كل شيء في بطنه ، وشرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبناً فأعجبه ، فقال للذي سقاه : من أين لك هذا ؟ ، قال مررت بإبل الصدقة وهم على ماء فأخذت من ألبانها ، فأدخل عمر يده فاستقاء ، هكذا أيها المسلمون كان سلفنا الصالح يخرجون الحرام من بطونهم ، بعد أكله وهم جاهلون به ، وما ضرهم ذلك الفعل ، بل ملكوا زمام الدنيا ، ومفاتيح الآخرة ، وكانت حياتهم طيبة ، وعاقبتهم حميدة ، الله أكبر يا عباد الله ، ما أعظم الفرق بين قوم أخرجوا الحرام من بطونهم ، وقوم عرفوا الحرام ، وقرءوا كتاب الله ، وتدبروا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ثم أقدموا على أكل الحرام ، شتان بين الفريقين ، فريق ملكوا الأرض وخيراتها ، وفريق ضاع ملكهم اليوم ، فأصبحوا عبيداً للأهواء والشهوات والشبهات ، قال الله تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من الله من وال " ، وإذا كان أخف الناس عذاباً يوم القيامة ، رجل توضع تحت قدميه جمرتان من النار ، يغلي منهما دماغه ، فكيف بمن يأكل الربا وقد توعده الله بالخلود في النار ، فاتقوا الله أيها الناس ، واعلموا أن الله عز وجل ختم آيات النهي عن الربا ، والأمر بتركه في سورة البقرة بقوله تعالى : " واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " ، فهل بعد هذا البيان من النصوص الشرعية بيان ؟ لهي أعظم دليل وبرهان ، ولكن صدق الله العظيم إذ يقول : " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " ، وقوله سبحانه : " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً " ، وفي الموضوع أدلة كثيرة ، وأخبار غزيرة ، وفيما ذكرت كفاية ، لمن أدركته العناية ، هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي المختار ، صادق الأخبار ، سيد الأبرار ، حيث أمركم بذلك العزيز الغفار ، فقال الواحد القهار : " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً "

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٣٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٣٨٣