أمة الإسلام : للربا أثار مخيفة ، وعواقب عنيفة ، منها ما تم بيانه ، ومنها : أن الربا سبب لظهور الأمراض المستعصية ، وكثرة الأدواء والأوبئة ، وتسلط الحكام ، وانتشار الفقر والبطالة ، وكثرة الجريمة ، وشيوع الفساد في البلاد بين العباد ، وهذا ما تعانيه الأمة اليوم ، فهل من مدكر ومتعظ ؟ في الحديث ، ما ظهر الربا والزنا في قوم إلا ظهر فيهم الفقر ، والأمراض المستعصية ، وظلم السلطان ، ومن أعظم آثار الربا فتكاً ، وأشدها ضرراً ، أنه سبب لعذاب القبور ، ففي الحديث الصحيح الطويل الذي أخرجه البخاري من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه ، أن آكل الربا ، يُعذب من حين موته إلى يوم القيامة ، بالسباحة في بحر الدم ، ويلقم حجارة من نار ، وهذا عذابه في قبره مع لعنة الله له ، ألا فاتقوا الله عباد الله ، وذروا ما بقي من الربا ، واتركوا كل تعامل به ، واهجروا كل من تعامل به ، واحرصوا رحمكم الله على تحري المال الحلال ، ففيه غنية عن الحرام .
أيها المسلمون : لما كثرت البنوك الربوية ، وانتشرت الدعايات الصحفية ، تحت شعارات مضلله ، وروايات باطلة ، بأسماء منمقة ، كالخدمات البنكية ، والنظام المصرفي ، والمداينات ، والقرض والفائدة ، وحساب التوفير ، وودائع الائتمان ، ونحو ذلك ، لما تغير مسمى الربا بتلكم المسميات ، انساق الناس وراء ترهات الأحلام ، وسفهاء الأقلام ، فوقعوا في الربا عياناً بياناً ، فيا حسرةً على العباد ، تاهوا في كل واد ، قال صلى الله عليه وسلم : " يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ، ومن لم يأكله أصابه من غباره " [ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة ] ، والناظر في واقع المسلمين اليوم ، يدرك مصداقية هذا الحديث ، وأي موظف لا يمر راتبه بأحد البنوك الربوية ، فسبحان الله ما أحلمه على خلقه ، وما أرأفه بعباده ، وما أصبره على أذاهم ، ينزل عليهم نعمه ومننه وخيراته ، ويقابلون ذلك بالمعاصي والجحود والكفران ، قال تعالى : " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون " .
أيها المسلمون : إن الله حرم الربا في كتابه العزيز، وحرمه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وأجمع العلماء على تحريمه ، ولم يُحل في ملة قط ، فمن اعتقد حله وقد جاءته الآيات والأحاديث ، فإنه مفارق للإسلام ، وخارج منه ، لكونه مكذباً لله ورسوله ، راداً على الله ورسوله ، قال تعالى : " قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ " ، فانظروا عباد الله كيف أذن الله جل وعلا بقتال من لم يُحرم ما حرمه الله ورسوله ، بل وأذن في حربهم ، وأخرجهم من دائرة الإيمان والعياذ بالله ، فالربا حرام لما يحتويه من ظلم للبشرية ، وأكل لحقوق الإنسانية ، في الربا تجتمع جميع الشرور ، بفعل الربا تصبح الأمم طبقتان ، طبقة غنية ، وأخرى فقيرة ، الربا من أسباب الكسل والخمول ، الربا حرام كله ، مهما كانت أسبابه ودوافعه ، فليس هناك مسوغ يجيز لعبد من عباد الله أن ينتهك حرمات ربه وخالقه ، الربا حرام في الأمور الاستهلاكية والإنتاجية ، الربا حرام مع المسلمين وغير المسلمين ، الربا حرام ولو حصل التراضي بين الطرفين ، لأنه عدوان لله ولرسوله ، ومعصية ظاهرة الحجة والبيان .
أمة الإسلام : احذروا سخط الله ومقته وغضبه ، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية ، بفعل الطاعات ، واجتناب المنهيات ، ألا وإن أعظم المنهيات بعد الشرك بالله التعامل بالربا ، ولا يغرنكم من هلك مع الهالكين ، فتلكم سبيل الغافلين ، وعاقبة المجرمين ، وتعاملوا فيما بينكم بالمعاملات الطيبة النافعة ، وكونوا عباد الله إخواناً ، فرأس المال والخبرات ، تورث المنافع والخيرات ، فاحذروا الربا أيها الناس ، لا يغرنك تسهيلاتهم، فهم والله لم يسهلوها محبة لكم، وإنما يريدون اقتناصكم، فاليوم تكون الأمور سهلة، وغداً تجتمع الديون، ويكثر المطالبون ، فلا تستطيعون وفاءها، فيعود الغني فقيراً ، والمترف مفلساً ، فاتقوا الله تعالى في أموالكم ، واحذروا دخول الربا فيها ، وابتعدوا عنها طاعة لله ، وخوفاً من عقوبته ، فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه .